الأربعاء، 17 يناير 2007

إسرائيل تدقّ للعرب إسفينا فيتمايلون طربا

تجمع وسائل الإعلام العربية هذه الأيام على عرض محلّلين ومتحدّثين باسم من لا يدرون يطبّلون مغتبطين بما يجري في دولة إسرائيل من استقالة مؤكّدة لقائد الأركان وأخرى محتملة لوزير الدفاع وربّما لرئيس الوزراء نفسه. وكلهم متفقون على أن ما تشهده إسرائيل من محاسبات وتحمّل للمسؤوليات ولجان تحقيق مردّه إلى فشلها الذريع في تحقيق أهداف حربها الأخيرة على لبنان وهو الفشل الذي سرعان ما يتحوّل في لغة العرب إلى هزيمة نكراء وتمجيد - ولو غير معلن - للنصر الإلهي الذي تحدّث به السيد حسن جاعلا منه رمحا أصاب بدقّة قلب ما كان يعرف بنمط العيش المشترك الفريد في لبنان.
والذي يثير غضب المفكّر بالعقل هو أن هذا الخطاب يبدو بديهيّ التصديق عند كل عربي وعند كل مسلم، فالعربي بطبعه لا يستطيع فهم أن ما يحدث في إسرائيل هو مظهر من مظاهر صحّة جيدة لديمقراطية متجذّرة على أرض عربية لكنها - وبكل أسف - بين سكان معظمهم من أصول غير عربية وأغلبهم يهود، إذ من شأن ما حدث في صيف 2006 أن يثير جدلا كبيرا وتتساقط رؤوس وتعلو أخرى ومعيار السقوط والصعود يبقى واحدا هو مصلحة دولة إسرائيل.
ومصلحة إسرائيل في هذه المرحلة تقتضي أن يصدّق العرب هزيمتها وانتصار حزب السيد حسن الذي يكتسب بذلك النصر طاقة مناورة جديدة ستنقلب فيما بعد وبالا لا عليه هو فحسب وإنما على اللبنانيين والعرب من حولهم، وهذا ما بدأت بوادره تظهر متمثلة في الاستقواء الذي يبرز به حزب السيد حسن في وجه الحكومة اللبنانية مما يعمّق الخلافات ويسوق البلاد إلى أتون الحرب الأهلية إضافة إلى ما يسببه ذلك من انصراف لبال العرب والمسلمين عمّا يحاك لكل من سوريا وإيران من مكائد. والفائدة لإسرائيل أكبر لو علمنا أن هذا كلّه يجري دون أدنى تأثير على سياستيها الداخلية والخارجية وعلى أرضية خصبة صالحة لتحقيق كل أهدافها.
فكيف يصدّق العربي - حاكما كان أو محكوما - أن التخلي عن الكرسي بأيّ سبب أو ضغط كان يمكن أن يكون إلا هزيمة؟ وهو حسب تفكير العرب حال رئيس أركان دولة إسرائيل.
لماذا لا يكون العرب قادرين على إدراك أن رئيس الأركان استقال تقديرا لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه واستخلاصه لعبرة أنّه لم يكن في المستوى المطلوب هو ما دفعه إلى تغليب مصلحة بلاده على مصلحته الشخصية المتمثلة في بقائه في منصبه؟
ليس من شيم العرب أن يتذكّروا أن المسؤولية تكليفا وليست تشريفا لأنهم اعتادوا – ووفق كل التجارب – أن تنحية أيّ مسؤول مهما كان صغيرا لا تكون إلا عقابا أو قضاء ربّ العالمين. والاستقالة مصطلح في المعجم ليس له ما يقابله في حياة العرب ودولهم، فالمسؤول عند العرب لا يحتاج إلى أن يستقيل لأنه أسمى من أن يخطأ فهو الصادق دائما وصاحب الرؤية النيرة التي تمكنه من استشراف المستقبل باستمرار ولا يحقّق من النتائج غير الإيجابي وإذا كان من درجة معينة يشكّل بقاؤه في منصبه الاستقرار بعينه ويصبح المستقبل في عهده حاضر والماضي مستقبل والحاضر بركة والتبرك بالمسؤول تعبير عن الولاء الدائم والولاء مصطلح مرادف للوطنية.
تلك هي العقبات التي تمنع العرب من اعتبار ما يجري في إسرائيل دقّ إسفين بينهم عواقبه تحقيق مصلحتها، فهم غارقون في أحاديث السبّ والشتائم وأماني الهزائم والتسليم بأن هذه الهزائم أصبحت واقعا بدلا من أن يحاولوا النسج على منوال ما يجري في إسرائيل من تطبيق للديمقراطية ويخلعون الجلباب المتهالك من الركود والفساد والضعف وسيادة الخطاب غير المنطقي وغير العقلاني.
لماذا لا يكون العرب قادرين على قول أن ما يجري في لبنان لا مصلحة فيه لا للدولة ولا للشعب اللبناني وما يجري في فلسطين يناقض تماما مقتضيات مصلحة القضية الفلسطينية؟
لماذا لا يستطيع العقل العربي التجرّد من القضايا بما يضمن له إمكان تحقيق نتائج إيجابية، بل وحتى بما يمكنه إدراك كنه الأشياء؟
هل سيستمرّ العربي بتلذّذه لما يعتبره بوادر فشل لإسرائيل يساهم في الابتعاد شيئا فشيئا عن نهاية النفق المظلم الذي تسير فيه الأمة، ويحقّق بذلك كل ما تتمناه إسرائيل؟
لماذا لا يطالب العرب مثلا بمحاكمة السيد حسن في لبنان لما ارتكبه من جرائم في حقّ الدولة والشعب اللبنانيين أقلها تفرّده باتخاذ قرار القيام بأعمال عدائية ضد دولة إسرائيل أفضت إلى ما أفضت إليه من تدمير للدولة اللبنانية وإهانة للأمتين العربية والإسلامية؟
لماذا لا يتساءل العرب عن سرّ قبول إسرائيل بالظهور بمظهر المهزوم في حربها على لبنان وتأكيدها على أن الهزيمة تتمثل في عدم قدرتها على تحرير جنودها إضافة إلى عدم تقويضها قدرة حزب السيد حسن؟
هل نسي العرب أن الحروب في التاريخ تعلن بذرائع وتعلات مضحكة أحيانا كحادثة المروحة في الجزائر؟ أو هل نسي العرب ووسائل إعلامهم ذريعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في العراق سنة 2003؟
كيف لا ينفذ العقل العربي إلى إدراك أن الحروب لا تتنزّل بالضرورة ضمن سجلات الظلم والعدوان وإنما وسيلة من وسائل حلّ النزاعات من بين عدّة وسائل أخرى؟ وهي وسيلة يملك من يلجأ إليها القدرة على تحديد متى تبدأ وليست له القدرة في معظم الأحيان على تحديد متى تنتهي.
ليفهم العرب أن الحرب لا تشرّع بقوانين وإنما تسعى القوانين إلى أن تضع في حسبانها التعامل مع الحرب كأمر واقع يجب التخفيف من آثاره السلبية على المجتمعات والمدنيين بصفة خاصّة، وإن لم توفّق المساعي الدولية في منع اندلاع حرب ما فليس في الأمر انتقاص من شرعية تلك القوانين لأنها لا تستطيع ذلك فعلا، كما ليس من العيب أن يلجأ طرف ما إلى إعلان الحرب لتسوية نزاعاته مع غيره لكن العيب كل العيب في أن يعلن حزب الحرب بالنيابة عن دولة وشعبها بمفرده والعيب فوق ذلك أن لا يمتلك عند إعلانه الحرب غير الدهاليز ليدفن فيها قادته هربا من موت يتباهون به ويعتبرونه شهادة في أوقات السلم، وعيب العيوب أن لا يكون العرب كلهم قادرون على فهم أن إسرائيل بتدميرها للبنان وبنيته التحتية متجنبة القضاء على السيد حسن وزبانيته إنما تبقي بذلك إسفينا في خاسرة سفينة الدولة اللبنانية لتدقّه متى ارتأت أن دقّه سيوجع اللبنانيين والعرب والمسلمين من جديد.
زيني محمد الأمين عبّاس 
17 جانفي 2007
إرسال تعليق