الأحد، 28 يناير 2007

لبنان بين إسرائيل وحزب السيد حسن

إن إسرائيل، ومنذ السبعينيات من القرن العشرين، دأبت على اعتبار لبنان بمثابة محافظة احتياطية تجتاحها متى تشاء وتجند حتى العرب لتنفيذ مخططاتها كما فعلت في صبرا وشاتلا. واحتلت جنوب لبنان لمدة تقارب العشرين سنة ولم تكن خسائرها فيه من الجنود فادحة إلى درجة كبيرة.
ولما انسحبت سنة 2000 أغلقت الأبواب خلف آلياتها المجنزرة وناقلات جنودها بكل أريحية ورغم هذا كله يحدثنا السيد حسن وحزبه بدور مزعوم في تحرير جنوب لبنان بقوة السلاح ويحرَر على مدار الساعة فواتير للشعب اللبناني وللأمة العربية والإسلامية ليستخلص أجرًا ركوعً جميع اللبنانيين حكومة وشعبا وينصب نفسه محررا للجنوب حاميا له مسيطرا عليه، مولدا بذلك سابقة في التاريخ متمثلة في أن يعوض الجزء الكلًَ، ويستفرد شخص واحد بأكثر الحقوق التي تكفلها الدساتير لرؤساء الدول والملوك وحدهم دون غيرهم حتى من البرلمانات ومجالس الشيوخ، ألا وهو حق إعلان الحرب والسلم.
لماذا لا يكون العرب والمسلمون قادرين على فهم أن انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب من جنوب لبنان سنة 2000 لم يكن سوى مناورة ذكية وبتوجيه وضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك بوعي أن العرب والمسلمين غير جاهزين لأن يصبحوا لها أصدقاء تعاملهم على هذا الأساس. وكل ما تقوم به تجاههم من مظاهر التقارب والجفاء أحيانا يتأتى في إطار خدمة مصالحها برضاهم وتعاونهم أو بردة فعلهم ومعارضتهم.
وفي هذا الإطار يأتي انسحاب إسرائيل حيث لا يغيب عن صاحب عقل يقظ أن هدف الولايات المتحدة من الضغط على حليفتها إسرائيل من أجل الانسحاب من جنوب لبنان هو إثارة أحلام جزء من اللبنانيين وتعالي أصواتهم بتحقيق النصر واستقوائهم على اخوتهم وتعنتهم وهذا ما حدث بالفعل وتمثل في ما شهدناه على شاشات التلفزيونات من مناورات عسكرية على أسلوب كوريا الشمالية وخطابات حماسية وتحييد واضح لسلطة الدولة على جزء من أراضيها واقتطاع نصف حقها في ممارسة سياستها الخارجية بالسعي إلى الانفراد بحق المطالبة بتحرير الأسرى اللبنانيين وحتى العرب وما إلى ذلك من خطابات غير عقلانية وغير منطقية ولا أفق للاستفاقة من كبوتها.


ورغم ما قبلت به الحكومات اللبنانية المتعاقبة بصفة خاصة وبقية الفرقاء اللبنانيين بصفة عامة من مهادنة ومسايرة لهذا الواقع لم يزدد حزب السيد حسن إلا غرورا. وصدق ما لا يصدقه عاقل من أنه من المقبول أن يكون لحركة أو حزب سياسي جناح أو ذيل مسلَح ويستمر مع ذلك في إضفاء صبغة الشرعية على نفسه.
فالسياسة حسب ما أفهم هي العمل المدني السلمي وفق رؤية واضحة وتفكير عقلاني مقنع بغية تحقيق أهداف على مستويات متعددة غايتها الوصول إلى السلطة وتطبيق برنامج سياسي واضح ونسبيَ والإقرار بتلك النسبية.
وإن كان للسياسة أن تكون لها أخلاق فأخلاقها هي القبول بالاختلاف والتواضع والإقرار بنسبيّة الأشياء والإيمان بضرورة سيادة القانون وتعاليه على الجميع، فالقانون هو الحاكم الذي لا يموت.
والأثر يقول إن حدود حرية الفرد تنتهي عند حدود حرية الآخرين ومصداقية ومرجعية رأي الفرد أو الجماعة تكمنان في مدى احترامه لآراء الآخرين مهما كانت درجة اختلافه معها أو تناقضها مع آرائه.
والديمقراطية هي المجال النظري الأفضل لتطبيق السياسة ومبادئها السلمية والدولة هي المجال الجغرافي والاجتماعي الذي تطبق فيه الديمقراطية، وعندما تُختزل كل هذه المجالات في شخص واحد أو مجموعة يختل التوازن.
في إطار ما تقدم حول الإشكال الذي يطرحه الوضع في لبنان أظن الراغب في فهم هذا الوضع يستعين لا محالة بالبحث عن إجابات للتساؤلات التالية:
لمَا كان حزب السيد حسن هو الذي قهر الجيش الإسرائيلي ودفعه تحت وقع السلاح إلى الهروب من جنوب لبنان تحت جنح الظلام لماذا يعجز هذا الحزب عن القيام بهذا العمل الجليل في مزارع شبعا التي تشكل مساحة الظفر الواحد من كامل مساحة جنوب لبنان؟ وسيكون جميع العرب والمسلمين له ممنونين إذا ما حرَر في طريقه شبرا أو شبرين من فلسطين 48.
أليس من حقّ العرب والمسلمين أن ينعتوا حزب السيد حسن بالخيانة الكبرى طالما هو قادر على هزيمة إسرائيل وإزالتها من الخريطة ولم يقم بذلك حتى الآن؟
هل يجيز أي قانون في تاريخ البشرية أو عرف مما تتعارف عليه المجتمعات والشعوب أن يحل حزب محل الدولة على جزء من أراضيها ويعلن الحرب والسلم ويمنع أجهزة الدولة من التواجد على جزء من أراضيها وممارسة الأدوار المنوطة بها؟
أليس السماح باستمرار هذا الوضع منذ أكثر من ست سنوات سببا في ما حصل ويحصل في لبنان الآن من تعطيل للمؤسسات الدستورية والاقتصاد والحياة الاجتماعية لمجرد أن حزبا ما أو شخصا ما يرى رأيا مغايرا لرأي الحكومة؟
هل تجوز صياغة قانون يسمح لأقلية في بلد ما بفرض رأيها على الأغلبية أو أن تتمتع بحق النقض في وجه أي قرار يتخذ في الشأن العام؟
لو سلمنا بأن الأغلبية في لبنان تغيرت وأصبحت أقلية هل يجوز إثبات ذلك والتعلل به دون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع؟
ما معنى أن تأخذ حكومة ما تفويضا من الشعب لممارسة السلطة خلال مدة زمنية معينة إذا كانت المعارضة ذات حق مطلق في إلغاء هذا التفويض متى شاءت؟
قد أتجرَأ وأتحدى من يجد تفسيرا واضحا ومنطقيا للإجابة عن هذه التساؤلات دون أن يصل به النبش إلى ما وراء الحدود اللبنانية ويثير التخوفات الدفينة من الخيوط التي أمسك بها المجتمع الدولي ويسعى لدفع قضاة يكلفهم من لبنان وخارجه لتتبع هذه الخيوط بغية الوصول إلى عناوين الجناة في قضايا وحالات الاغتيال والتصفية التي شهدها لبنان تحت الوصاية السورية وبعدها. هذا هو مربط الفرس لمن يبتغي الركوب. 


زيني محمد الأمين عبّاس 

28 جانفي 2007
إرسال تعليق