الاثنين، 29 يناير 2007

المجتمع الإيراني بين مكائد الولايات المتحدة وغفلة ساسته

لا تكاد تخلو شاشة تلفزيونية في هذه الأيام من أحاديث و سجالات تتعلق بموضوع الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية حول الملف النووي لهذه الأخيرة والخيارات المفتوحة أمام الأولى للتعامل معه وتذليل الصعوبات التي يطرحها هذا الملف.
ويبرز الوضع في الواقع بمثابة صراع بين شبه زعماء إيرانيين يأسرون أمة ترغب في الارتقاء إلى مصاف الدول النووية وما يعنيه ذلك من ضمان الاحترام والتقدير وبين قوة عالمية باتت سيطرتها على جميع أنحاء المعمورة واقعا مفضوحا وتتظاهر دائما برغبتها وتمسكها بحل جميع الخلافات بالطرق الدبلوماسية مضفية بذلك ستارا على ما تخطط له وتقدم عليه بكل عزم وثبات.
وبين قطبي الرحى هذين يقع المجتمع الإيراني والمجتمعات الخليجية الأخرى بمثابة الضحية التي تساق إلى المسلخ وتشحذ لها السكاكين وهي حائرة في المواقف لأي الطرفين تطبل وغافلة كل الغفلة عن أن موقفها الأصح ليس مع هذا أو ذاك.
فلا هي ذات المصلحة في ما يطمح إليه الحكام الإيرانيون من أحلام قدرها أن تبقى كذلك مهما صبوا من الخرسانة المسلحة في برك المياه. ولا مصلحة لها مطلقا وقطعا في أن تصبح تحت الاحتلال الأمريكي.
واللافت للنظر أن الساسة الإيرانيين غير قادرين على إدراك أن أطماعهم النووية سراب تولد من اختيارهم كصمام أمان لتفكك الاتحاد السوفيتي السابق وما كان يطرح من ضرورة لاحتواء مخاطره بالسيطرة على شوارد التكنولوجيا النووية وتجميع ما صدأ من تجهيزات هذه التكنولوجيا على أرض إيران. واستمر ذلك خلال ما يقارب العشرين سنة قبضت فيها روسيا أثمانا مضاعفة لما تقوم به من أعمال وسعرا لتلك التجهيزات ورواتب للخبراء والمهندسين في انتظار أن تحيلهم أعمارهم على التقاعد وفوائد لقروض متتالية لبناء القوة النووية الحلم، وعند جهوزية خطة بديلة بدأت معالمها تتضح في التعاون الروسي الهندي تتولى الولايات المتحدة الأمريكية تدمير كل تلك التجهيزات والمعدات بعيدا عن مركز التجمعات السكانية الغربية وفي منطقة معظمها صحار وبأقل الأضرار.
ذاك التدمير الذي سيشكل حقلا واسعا للتجارب في التعامل مع مثل تلك المنشآت التي باتت مهاجمتها حيث تسلحها فعلي أمرا هاجسا لدى القوى الكبرى.
ويخطئ من يظن أن خطة هذا التدمير غير مجربة في السابق عندما قامت إسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي في بداية الثمانينيات من القرن العشرين.
في هذا المستوى من التحليل يبرز السؤال الذي لابد من طرحه : من المتضرر في النهاية من شبكة التآمر هذه؟
بالتأكيد لن تكون الولايات المتحدة رغم علمها بأنها ستخسر العديد من الجنود قد يضاعف ما خسرته إلى حد الآن في العراق بحربيه الأخيرتين. كما لن تكون إسرائيل التي قد تضطر إلى أن تطلب من شعبها البقاء في الملاجئ حالما تنتهي سحابة الشظايا التي ستولدها الصواريخ الكورية الشمالية المعدلة بشهبها الكثيرة إذا ما نجحت إيران في إطلاقها في خضم حرارة الموت، معبرة بذلك عن درجة عالية من ضبط النفس تماما كما فعلت في حرب تحرير الكويت.
كما لن يكون الاقتصاد العالمي الذي دأب على أخذ جرعات من المضادات الحيوية ضد حمى ارتفاع أسعار برميل النفط منذ حرب 1973 وحتى احتلال العراق بأن تدرج السعر من أقل من 10دولار إلى ما يناهز الثمانين دولارا، وفي تقديري لن يكون سقف سعر في حدود المائة وعشرة أو عشرين دولار بالنسبة لهذا الاقتصاد قاتلا.
إذا لم يتضرَر هؤلاء جميعا لم يبق سوى متضرر واحد هو الشعب الإيراني والمجتمعات الخليجية بدرجة أقل أما الدولة الإيرانية فلن تصمد طويلا في ساحة المعركة إلا كما صمدت دولة صدام حسين. ولا يهم بعد ذلك أقاوم الإيرانيون كما يتدربون على ذلك حاليا في العراق أم لم يقاموا، فمن يجهد على خصمه ويقطع رأسه لن تنقصه الحيلة للقضاء على القمل في هذا الرأس.
فالمجتمع الإيراني – وهذا دور العقلاء فيه – عليه أن يدرك أن أعداءه بالدرجة الأولى حكامه والأمريكيون والغرب في الدرجة الثانية ، بمعنى أن الحكام في إيران يلعبون دور الصديق المستعدى والذي يحرك عن بعد ويعطى من أسباب الاستقواء كل ما من شأنه أن يجعل المتابع يطمئن حتى يقضي جورج بوش أو غيره أمرا هو قاضيه لا محالة. تماما كما كان صدام حسين يلعب هذا الدور منذ احتلال الكويت وحتى تدحرجه في حبل هو أعده لغيره واستخدمه طويلا دون شفقة ولا رحمة بعيدا عن أي لوم من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما.
وفي هذا الإطار أود أن أقدم نصيحة لساسة إيران قد يسخرون منها دون شك مفادها : إياكم والتغافل عن تدمير المشانق وإتلاف الحبال قبل أن تخرج الأمور من تحت سيطرتكم، فصدام حسين عدوكم اللدود سابقا وأحسن فرجة تابعتموها بالأمس القريب وتربحون كثيرا إن اعتبرتموه أحسن عبرة اليوم وغدا.
وفي الختام وبصورة أكثر جدية على المجتمع الإيراني أن يعي جيدا وقبل فوات الأوان أن اتفاقا يضع بموجبه منشآته النووية تحت السيطرة الفعلية والمباشرة لوزارة الدفاع الأمريكية ويستضيء منها بالكهرباء في إطار اتفاق جريء وشجاع أفضل من خلاف ذلك من الحلول والرهانات الخاسرة سلفا.
فالرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية لا يملكون الحق في إنفاق أموال شعوبهم في تحريك الجيوش والعتاد الحربي على نطاق واسع كما عليه الحال الآن دون أن يكون ذلك في إطار جدي.
ألا إن النصيحة مبلغ ما بوسعي المساهمة به في تخفيف وقع تداعيات المواقف الحالية في هذه القضية وقد نصحت، والعاقبة قد لا يشهدها الجميع والعلم لله والله المستعان.


زيني محمد الأمين عبّاس 

29 جانفي 2007
إرسال تعليق