الجمعة، 23 فبراير 2007

الصور صورنا والضجة إشهار مجاني للمسيء

قامت الدنيا ولم تقعد عندما اشتدّت التعبئة إثر نشر أحدهم صورا اعتبرها للرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهي صور أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مقزّزة وموغلة في الجرأة على التطاول على رمز لرسالة سماوية أثبت صمودها في وجه التحريف على مرّ الأزمنة والعصور أنها إلهية خالدة لا غبار على صدقها وإعجاز أساسها.
والواقع أن هذه الصور ما كانت لتكون مثيرة للجدل لو لم يعبّر عنها صاحبها والجريدة التي نشرتها تحت غطاء حرية التعبير التي تعني في العالم الغربي الحقّ المقدس لأي شخص في أن يطرح للجمهور فكرة ما مادامت هذه الفكرة منحصرة في إطار التعبير عن الرأي وفي المقابل يؤمن من يتمسك بهذا الطرح بحق أي كان في أن يقبل هذه الفكرة أو ذاك الرأي أو أن يرفضه كما لن يعيب عليه إن هو طرح ما يناقض رؤيته للأمور.
تلك هي حرية التعبير عن الرأي التي لا يقبل الغربيون حتى مجرّد التشكيك في قداستها، إذ يعيب المرءَ عندهم أن تلومه نفسه أو أن تؤنبه إن هو فكر في مجرّد قراءة العواقب التي قد تنجر عن تعبيره عن رأيه بكل حريّة.
تلك وجهة نظرهم ولنا وجهة نظر مغايرة تماما بل وجهات نظر شتى تشترك جميعها في منبع التربية المشتركة على أن الإيمان مطلق بأن كل ما يصدر عن الآخر مرفوض قطعا وبشكل مسبق، وما يجرح المشاعر مسٌّ بالمبادئ وأبواب النقاش موصدة والتقوقع آليٌّ. ولم تكن المسيرات الحاشدة التي جابت العالم الإسلامي ومنابر التهديد والوعيد وطلبات الاعتذار الرسمية والشعبية إلا تأكيدا لما سبق ذكره.
نحن أمة مشاعر لا نعرف للإيمان بالمبادئ الثابتة طريقا، ولا أدلّ على ذلك من نزعتنا إلى ردّة الفعل العنيفة دائما وردّة الفعل تنسينا غالبا نقاط الخلافات التي يفيد الوعي الواعي بها في تذليلها كما تنسينا دوما المواقف التي يفيد التمسّك بها في تحقيق أهداف ذات وزن وقيمة.
وردّة الفعل العنيفة كالتي أثارتها الصور لم تغيّر من الأمر شيئا بل على العكس من ذلك حقّقت أهداف صاحب هذه الصور إن هو أراد فعلا الإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم.
والمنطق والتفكير العقلاني يقولان إنه كان من الأجدر البحث عن الجذور التي جعلت هذا الرسّام تتولّد في ذهنه تلك الفكرة وكيف وجد الشجاعة لتجسيدها وشجاعة فوق ذلك بالسعي إلى نشرها وأن يجد من هو أشجع منه بقبول نشرها. هذه كلها نقاط كان من المفروض على العرب والمسلمين دراستها وتمحيصها قبل أن تأخذ مجموعة صغيرة من العرب المهاجرين على عاتقها تحمل عناء التكلّف والإخبار متنقلة من بلد إلى آخر مستنهضة الهمم ومؤججة المشاعر حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه بعد ردح من الزمن من النشر الفعلي للصور.
وللمساهمة في المجهود الأفضل – حسب تقديري – والذي لم يتكلف أحد عناء القيام به إلى حدّ الآن أظن محاولة الإجابة على التساؤلات التالية من شأنها الدفع إلى البحث عن طرق ردّ فعل مستقبلية أكثر نضجا ونفعا وفاعلية في الدفاع عن المبادئ لا عن غيرها :
هل عاصر الرسام الذي ساهمنا في تحقيق شهرته الرسول الأعظم (ص) حتى يجد في ذاكرته من القوة ما يجعلها تحتفظ بصور طمرت لأكثر من ألف وأربع مائة سنة؟
هل كان ذاك الرسام دون ذاك على درجة كبيرة من الإلمام باللغة العربية والإحاطة بشوارد الأحاديث النبوية والنصوص القرآنية مما يجعله قادرا على استخراج ما ذهب إليه فكره من صور من الأثر الإسلامي؟
إذا لم يكن الرسام معاصرا للرسول (ص) ولا دراية كافية له بالأثر الإسلامي فمن أين له بهذه الصور؟
ألا يمكن أن نلتمس للرجل عذرا بأنه يعيش في بلدان حضارة المرايا، المرايا فيها تعكس لكلّ صورا بمعنى أن ما صوّره الرجل قد يكون صور العرب والمسلمين في محيطه، وبذلك يصبح كل الجهد الذي أضافه من عنده بأن أسقطها على رمز القيم والحضارة معا؟
إذا كانت تصرفات المسلمين جميعها قائمة على ترسيخ ثقافة العنف والاستباحة غير المبرّرة لأرواح الناس والعداء المجاني للآخر في جو يسوده التفكير الشمولي واختزال المواقف والتعصّب وحدّة الخطاب بالتهديد والوعد والوعيد والجرأة على عدم احترام الناس والإقرار بحقهم في الاختلاف والتعبير عن آرائهم، إذا كان كل ذلك كذلك ألا نكون عارفين حقا لمن تكون تلك الصور؟
الصور لنا إذا وحاشا للرسول صلى الله عليه وسلم من أن يكون متصفا بها، ورفضنا البحث في أمرها قبل اتخاذ المواقف نابع من إحساسنا بالخطر الذي يهددنا. المسلمون بهذا الفهم هم من أساء إلى الرسالة السماوية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وأسلوب دفاعهم غير المحسوب دليل على نيتهم في الاستمرار في الإساءة دائما.
هداهم الله إلى طريق الموضوعية وأسلكهم منهج النقد الذاتي البناء من وقت لآخر، بذلك يكون الحصن منيعا وتعود أبواب انتشار الرسالة التي جاء بها محمد (ص) وهاجر وجاهد في سبيلها لتفتح من جديد. 

زيني محمد الأمين عبّاس 

23 فيفري 2007
إرسال تعليق