الاثنين، 9 أبريل، 2007

عدد اليهود في فلسطين حسب تقدير العرب

تنجز فصائل "المقاومة" الفلسطينية هذه الأيام وتحت مظلّة مصرية ما يكاد يجمع العرب على أنه أهم إنجاز عظيم يكلّل عمل المقاومة ويتمثّل في مبادلة جندي أسير منذ صيف 2006 في غزّة بنحو 1300 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية جلّهم قضوا فترات العقوبة المنصوص عليها وما يزالون في يد إسرائيل بدعوات عدّة.
وهو إنجاز لا شكّ هام لأنه سيمكّن أفرادا سلبوا حريّتهم لسنوات طويلة من العودة إلى حياة في أحد سجنين أكبر محيطا من الذي هم فيه وحدودهما ما تزال هلامية وغير واضحة المعالم وتحت حراسة مزدوجة يختلط في إدارتها السجانون والمساجين. لكن الطريف في الأمر هو الصورة إذا ما تفضّل أحد الموهوبين في التصوير الكاريكاتوري بإنجازها مبرزا الميزان وفي كفّته الأولى جنديا إسرائيليا وحيدا لا يزن على أكثر تقدير عند احتجازه أكثر من الستين كلغ – اللهم إن كانت حماس حرصت على تسمينه قليلا – وفي الكفّة الأخرى ألف وثلاث مائة نفر فلسطيني أقلهم وزنا الرئيس المستقبلي للسلطة الفلسطينية والأمين العام للجبهة الشعبية ومن دونهما من الوجوه البارزة والخفية ممن هم في أغلال إسرائيل لسنين وسنين مضت من أعمارهم حتى ليكاد أثر كفاحهم يقتصر على سبل البقاء في السجون.
إن الجانب الذي يستحقّ أن يسلّط عليه الضوء في مثل هذه القضية – حسب اعتقادي – يتجاوز كل الجوانب المعلنة والخفية التي تخوض فيها وسائل الإعلام من ممجدّ ومنتقد ومبرز لعبقرية الإنجاز وداع لإخفاء الصفقة حتى تتم، إلى ما يجب أن تكون عليه نظرة العقل العربي إلى قيمة الإنسان بصفة عامة والإنسان العربي في عين مسئوليه وسياسييه بصفة خاصة.
ذلك أن العرب عمي عن إدراك أن إسرائيل الدويلة المزروعة في محيط عربي معاد تمام العداء وما يفترضه هذا الوضع من دواعي الخوف والتخوف واجتناب إثارة الفتن والحروب لا تتوان ولا تفكّر ولو للحظة واحدة في مخاطر خوض حرب لمجرّد أن جنديا واحدا من جنودها اختطف مهما كلفتها تلك الحرب من معدات وعتاد ومقارعة لنظرة الرأي العام المحلي والدولي، وإن جنحت للتفاوض من أجل إطلاق سراحه لا تخجل من أن يكون التفاوض مع حركات لا تعترف بشرعيتها مهما افتضح أمرها وتقبل بدفع ثمن يصل آلاف الفلسطينيين لمجرّد أملها في إطلاق سراحه بينما تستفحل فكرة مشروعية الانتحار في المجتمع والعقل العربيين كل يوم بل وبات الانتحار مرادفا في لغة العرب للاستشهاد طالما يتم تحت غطاء محاربة الاستعمار في العراق أو في فلسطين أو حتى تحت غطاء الجهاد ومحاربة الحكومات "الكافرة" كما يجري في المغرب أو غيرها من الدول العربية الخليجية أو المغاربية الأخرى دون إعارة أدنى اهتمام إلى مخاطر استباحة الأرواح البشرية البريئة، ناهيك عن ما لا يثير أدنى استغراب من تكتّم على خسارة عشرات أو آلاف الأرواح البشرية العربية – ولو في كوارث طبيعية – في أوساط الدول والحكومات العربية ووسائل الإعلام خوفا على سلطة هذا الحاكم أو ذاك أو إرضاء له اعتبارا منها أن الاستقرار الذي يطبع عهد الحاكم يجب أن لا تعكّره المآسي ولا حتى الكوارث الطبيعية وتستمرّ الحياة زاهية ولاهية ومبتهجة كأن شيئا لم يكن. وأقل الأمثلة على ذلك وإن مع اختلاف بسيط ما يجري في دارفور من تطهير عرقي تحت غطاء رسمي باستخدام السكان بعضهم ضدّ بعض استرضاء لسلطة حاكم غير شرعي بجميع المعايير.
وضع كهذا من التناقض في نظرة كل من الطرفين العربي من جهة والإسرائيلي من جهة أخرى إلى قيمة النفس البشرية يحملني على التفكير – ولو من باب مجرّد الطرافة في تناول الأشياء – إلى إبراز فكرة تخامرني باستمرار وأنا أتابع وضع الصراع العربي الإسرائيلي مفادها أن عدد اليهود في فلسطين بناء على ما يستنتج منطقا وعقلا من مجريات قضية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حركة حماس – إن قبل العرب مبادلة جندي واحد بألف وثلاث مائة فلسطيني – منطقا وعقلا يقدّر بحاصل عملية حسابية بسيطة متمثلة بضرب عدد اليهود في ثمن الجندي الواحد، فيصبح بهذا الاعتبار عدد اليهود في أرض فلسطين حوالي 7.8 مليار نسمة في مقابل ما يربو قليلا على الثلاث مائة مليون عربي. مع العلم أن استنتاج هذا العدد لم يأخذ في عين الاعتبار الفوارق التي تفترضها ضرورة النظر إلى أن رأس مال حياة الجندي في الأساس خسارتها بحكم استعداده للموت بمقابل دفاعا عن وطنه أو عن حاكمه حسب الاعتبار وهو بذلك يكون ضمنا وضرورة أقلّ قيمة من المواطن المدني صاحب الحق على دولته وحكومته بحمايته حتى ولو كلفها ذلك أرواح العديد من الجنود.
هذا الفهم يفسّر دون شك سرّ خسارة العرب لقضية فلسطين ومنذ عشرات السنين، بل وفوق ذلك التفسير يعطي تصوّرا واضحا لما سيكون عليه مستقبل الفلسطينيين والعرب في خضمّ هذا الصراع الذي لا نهاية له في الأفق القريب.
إضافة إلى ما تقدّم يفسّر هذا الطرح كذلك كيف يجد حكام وقادة ومفكرو الشعب اليهودي في دولة إسرائيل الاستقرار والتوازن النفسيين الذين يمكنانهما من قبول واستساغة أن يقتل جنودهم المدججين بالسلاح مئات وآلاف الفلسطينيين عزلا في معظم الأوقات في ساعة أو في يوم واحد، فمن في اعتباره الدفاع عن ما يقارب الثمانية مليارات نسمة لا تعوزه القدرة على احتساب المئات والآلاف خسائر جانبية.
والموضوع علاوة على كل تلك الجوانب يهدف إلى إثارة إشكاليات لا تخلو – حسب اعتقادي – من الأهمية القصوى بالنسبة للعرب وللمسلمين في مثل الظروف التي هم فيها في أيامنا هذه في شكل تساؤلات منها:
هل يقدّر العقل العربي والمسلم قيمة النفس البشرية حقّ تقديرها بما يضعها في الإطار الذي تحتسبها فيه التعاليم الدينية والشرعية على اعتبارها محرمة ومقدسة وانتهاكها بغير وجه حقّ من أكبر الكبائر التي يمكن أن يقدم الإنسان على ارتكابها؟
إلى متى سيبقى البعد النفعي غائبا كمنهج في أسلوب تعامل العربي والمسلم مع القضايا الدنيوية المطروحة بكل تعقيداتها وصعوبة استساغة ما يجنيه من نتائج لمواقفه وأفعاله في وجه من عاداه من الشعوب الأخرى؟
متى سيدرك المسلمون أن الرسالة المحمدية إنسانية قبل أن تكون حكرا على مجموعة أو مجموعات منغلقة، وخالدة ومحفوظة بالقدرة الإلهية بدلا من أن يكون خلودها وحفظها موكولا إلى بني البشر، ولا تشترط إفناء غير المنضوين تحت رايتها لتنمو وتتطوّر وتساهم في إثراء الحضارة الإنسانية؟
ألا يشكّل الاحتراز من انتهاك الحرمات سبيلا أسلم للفرد وللمجموعة في الدنيا والآخرة بدلا من الجرأة والتطاول على الكبائر بمبررات وعلل واهية مردها تغلغل الجهل وغياب التوازن العقلي والنفسي والاستغلال المقزز لتعاليم رسالة قيم نبيلة وأخلاق حميدة تخاطب في الإنسان ما به فضّل على سائر المخلوقات واستخلف في الأرض صورة للخالق مثالا له في العدل والرحمة والتسامح؟


زيني محمد الأمين عبّاس 
09 أفريل 2007
إرسال تعليق