الاثنين، 14 مايو 2007

الأمم المتحدة : مشروع الإصلاح

إن منظمة الأمم المتحدة، وطبقا لما تنص عليه نصوصها التأسيسية، تضطلع بمجموعة من المهام تدور جميعها في فلك واحد حول الأمن والسلم الدوليين حماية ورعاية وتحقيقا وضمانا، ولها من الآليات نظريا ما يمكنها من ذلك وفق ما اعتبره الخبراء والقانونيون الذين صاغوا تلك النصوص والقوانين في الظروف التي أحاطت بنشأة وريثة عصبة الأمم، تلك الظروف التي قد لا نحتاج في مثل هذا الوقت إلى التذكير بها مفصلة رغم أن العلم بملابساتها واستحضارها يبقى في نظرنا عاملا مساعدا على فهم ما قد يبدو اليوم قصورا أو عوائق أمام قدرة هذه المنظمة على تحقيق ما به يكون سعيها جادا لبلوغ الأهداف التي تأسست من أجلها أو تحقيق ما اقترب من تحقيقها على الوجه الأكمل.
إن طبيعة تكون المنظمة من مجموعة الدول الأعضاء المستقلة عامل قوة يخفي من الضعف ما به تنعدم القوة، بمعنى أن التنصيص على أن الدول المستقلة وحدها تستطيع الانضمام لعضوية الأمم المتحدة في ظل عدم صياغة واضحة وتحديد دقيق لمفهوم الاستقلال أمر مكّن وما يزال يمكن العديد من الدول ذات الاستقلال الصوري من اكتساب صبغة العضوية في جلباب خادع وهو ما شكل عائقا أمام سهر واضطلاع تلك الدول بمهام حماية مصالح شعوبها – ولا خطر كبير في ذلك إذ معظم الشعوب غير ذات مصالح واضحة وملحة في الخارج بطبعها – لكن مصدر الخطر يكمن في كون الجلباب المذكور يشكل غطاء تحته يتم انتهاك حقوق تلك الشعوب في الداخل باسم حقها في الاستقلال. والسبب في ذلك يعود إلى المبادئ والأسس التي تقوم عليها المنظمة، فالمتتبع لتاريخ الأمم المتحدة يكاد يدرك أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية هو القاعدة الوحيدة المحترمة والمقدسة بإجماع جميع الأعضاء، بل وتحول إلى تهمة يدان بها من أراد الإشارة إلى أن شيئا ما يسير على غير طبيعته في بلد من البلدان الأعضاء مهما كان ذلك، ولن يجد الموصوف بتلك التهمة للدفاع عن موقفه من بين الدول الأعضاء مساندا، إذ لا شيء يسير على النحو الذي يجب أن يكون عليه في أي منها تقريبا والقاعدة تقول إن من كان بيته من زجاج يحجم عن رمي الآخرين بالحجارة.
ولم يسجل التاريخ أن تدخلت الأمم المتحدة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان والتصفيات العرقية إلا نادرا وفي فترة قريبة نسبيا وأغلب الظن أن ذلك التدخل يأتي دائما بعد فوات الأوان، ناهيك عن الغياب المطلق لفكرة ضرورة منع الاستبداد بالشعوب ووضع حد لاستمرار احتكار شخص واحد للسلطة باسم حزب أو بغيره بما يضمن ديمومة حكمه على الرغم من وعي الجميع بأن ما تحمله السلطة المطلقة من مفسدة وما تطرحه من مشاكل محرجة تستحيل معه الحياة الكريمة للشعوب على أرضها.
فعندما تدخلت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي باسم التدخل الإنساني في يوغسلافيا السابقة كان الصرب قد طهروا أعراقا عديدة ومللا بأكملها وشرّدوها واستباحوا ممتلكاتها وحرمات الله في عبادها تماما كما هو الحال في كوسوفو بعد ذلك حيث قضى معظم الألبان نحبهم في ظل دكتاتورية سلوبودان ميلوزوفيتس في صربيا. ولم يكن حظ الروانديين بأوفر من حظ مثلهم من ضحايا التعسف والاستبداد والعنصرية إذ لم يمنع تواجد قوات حفظ السلام الدولية من التطهير العرقي بحقهم ولم تشفع لهم شهادتها على الفظائع التي ترتكب في حقهم في وجه مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية إضافة إلى أن وضعهم على هامش مناطق الأطماع الاقتصادية كان حكمه قاسيا هو الآخر. وغني عن التذكير هنا بأن تدخلا محتملا للمجتمع الدولي في دارفور لن يمنع ما قامت به الميليشيات الحكومية من مجازر وتسلّط على أبرياء في أرض أجدادهم لا حول لهم ولا قوة ملجؤهم الوحيد من قسوة الطبيعة لظى جحيم التشرد والقهر، ذنبهم الوحيد أصولهم المغايرة لأصول عصابات تستند لدعم حكومة فاسدة غير شرعية، إلا كما منعت حرب العراق الأخيرة مجازر الدجيل والأنفال وحلبجة وتجفيف الأغوار والنجف وكربلاء وغيرها من المجازر وانتهاك الحرمات في عهد صدام حسين مع العلم أنها لم تتبن أصلا تلك المجازر كمبرر للإطاحة بذلك النظام الفاسد المستبد الذي استمر زهاء الأربعين سنة جاثما على صدور العراقيين وعلى كراسي الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أحيانا، يجوب جلادوه عواصم الشعوب المحترمة وروائح الدماء البشرية تنبعث من عرقهم، حصانتهم استقلال العراق وحقه في عدم تدخل الآخرين في شؤونه الداخلية وفق مبادئ الأمم المتحدة.
كما لست غنيا كذلك عن ضرورة الإشارة إلى أن تلميع الصورة بعد الإطاحة بنظام الخرطوم وسيطرة الدول النافذة على السودان حكومة وشعبا وخيرات بتتبع المسؤولين واحدا بعد الآخر ومحاكمتهم على الملأ على غرار ما جرى في العراق لن يعيد الحقوق إلى أصحابها بل لن يزيدهم على قهرهم إلا قهرا، لأن المحاكم في نظري لا تصلح ما فسد وغاية ما في وسعها القيام به معاقبة أو مكافأة المفسدين.
من أجل هذه المآخذ كلها وغيرها مما لا يخفى على الملاحظ أظن ضرورة المبادرة بإصلاح وضع المنظمة من الأساس باتت ملحة وليس على نمط المحاصصة الذي يروج له منذ عدة سنوات لشغل الفراغ في جداول الأعمال وتغطية عين الشمس بالغربال كلما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية فترة عبور للصحراء على المنظمة تلزمها الغياب عن الساحة الدولية باتخاذها قرارات منفردة بمهاجمة هذا البلد أو ذاك بحجة أو بغيرها.
والإصلاح من الأسس في نظري يعني إضافة إلى الإصلاحات الهيكلية مراجعة النصوص والقوانين المنظمة بما يرسم أهدافا جديدة غايتها إضافة إلى السلم والأمن الدوليين السعي إلى تحقيق أسباب الحياة الكريمة للشعوب وليس توفير الغطاء للحكومات سواء أكانت تلك الشعوب مستقلة أو تحت الاحتلال، وفي هذا الإطار لا تفوتني الإشارة إلى أن وضع بعض البلدان كالعراق حاليا بات ضبابيا ويطرح العديد من التساؤلات المستعصية على الفهم فهل يجوز انتماؤه لعضوية المنظمة أم لا؟ تماما كما كان وضع لبنان في ظل الانتداب السوري طوال العشرين سنة التي سبقت ربيع سنة 2005.
والمقترح بصدد تحقيق هذه الرؤية للإصلاح يتمثل في أن تكون الأمم المتحدة ملزمة بفرض نوع من الوصاية على الدول الأعضاء بما يضمن لشعوب تلك الدول الحماية من عصابات التسلط والطغيان وذلك من خلال آليات بسيطة بالتشاور مع جميع الأعضاء تتمثل باشتراط تسلّم نسخة من دستور كل دولة أو مملكة عضو وفرض أن يكون ذلك الدستور متضمنا لبنود واضحة تضمن الفصل الواضح بين السلطات وآليات التداول السلمي على السلطة وسيادة القانون وتعاليه على الجميع بدل تكريس عبادة الأشخاص، وأن يكون المجتمع الدولي ملزما أخلاقيا وقانونيا بالسهر على الالتزام بتطبيق حرفية تلك الدساتير وموكولا القيام بما من شأنه منع التلاعب بها وتحويرها لتكريس ما عليه الحال الآن في معظم بلدان العالم الثالث، خاصة العربية منها التي ترزح شعوبها تحت وطأة تسلّط رؤساء بعينهم منذ ما يزيد على الثلاثة عقود ولا أمل لتلك الشعوب في الخلاص من أولئك الحكام في الأفق القريب حتى لو كان ذلك الأمل بقضاء رب العالمين بسنته في خلقه في ظل ما ابتدع مؤخرا من جمهوريات ملكية يرثها رؤساء شبّان عن آباء فاقت أعمارهم في السلطة كل توقعات معدلات الأعمار في بلدانهم، يمارسون على غرار آبائهم مصادرة حق الشعوب في التعبير والاختلاف في الرأي، منتقصين عليها قدرتها في الثقة بسيادة القانون مختصرين المجتمع ونسيجه الجمعياتي ومؤسسات الدولة وأجهزتها في أشخاصهم معتبرين أنفسهم – بزعمهم وزعم حواشيهم وزبانيتهم – رموز الاستقرار والعناوين المطلقة للشرعية وللوطنية. ذلك كله بالتواطؤ مع المجتمع الدولي خاصة الأمم المتحدة التي تعطيهم الدرع الواقي من أي مساع للنقد والتشكيك في شرعية ما يقومون به في حقّ شعوبهم باسم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية الذي يضمن لهم أمن الجبهة الخارجية في الوقت الذي تتكفّل فيه أجهزة الأمن والمخابرات والميليشيات الحزبية بتخميد روح المخالفة في النفوس والضمائر في الداخل. والولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها شرطي العالم بامتياز ليست أقل تواطؤ هي الأخرى من الأمم المتحدة إذ لا تمانع أبدا من التغافل عن انتهاك الأنظمة لحقوق الإنسان في حق شعوبها طالما شكّل ركود الحياة في بلدان تلك الأنظمة بيئة ملائمة لخدمة مصالحها ومصالح حلفائها ولا تتوان عن الانقضاض على تلك الشعوب واحتلالها بأبشع الطرق عندما ينتقل حد خدمة مصالحها عمقا إلى ما بعد حدود المصالح الضيقة لزعماء تلك الأنظمة.
ولكي يكون العمل على تطبيق مخطط إصلاح حال منظمة الأمم المتحدة مضمون النجاح تكون المرحلية أسلم طريق لبلوغ النتائج وذلك بطرح المشروع في الجمعية العامة لنقاشه وتبنيه بشكل طوعي والعمل على تحقيقه بالطرق الأقرب إلى ضمان الاستقرار والأمن في كل بلد، وذلك من خلال ندوات للحوار الوطني تشترك فيها جميع الفعاليات السياسية وهيئات المجتمع المدني والمفكرين والخبراء تحت رعاية لجان أممية مختصة، كل ذلك بهدف وضع برامج مرحلية يتم فيها إعادة بناء الأسس الدستورية النهائية ذات المصداقية وتهيئة المجتمعات للمشاركة الفعالة في تحمل مسؤولية مستقبل بلدانها، مع الإشارة إلى ضرورة وضع سقف زمني محدد لتلك المرحلة باعتبارها انتقالية والوعي – وهذا هو الأهم – بالضرورة الملحة على السعي إلى أن لا ينظر إلى إجراءات الإصلاح على أنها فرصة لتصفية الحسابات أو اعتبارها أداة انتقام تستقوي بها أشكال معارضة الأنظمة القائمة. ذلك أن أشكال معارضة الأنظمة القائمة لا تعدو كونها جزء من النظام في حد ذاته، فالتجارب التي وصلت فيها المعارضة لسدّة الحكم في بعض البلدان العربية مثلا لم تكن ثمارها أكثر نضجا، وهي وضعية نجد تفسيرها عند العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مبدأ "المغلوب مولع بتقليد الغالب" أي أن غاية المعارضة في بلدان العالم الثالث في ظروفنا الحالية أن تحل محل النظام وتسلّط عليه ضعف ما سلّط عليها من ظلم وقهر وهذا في حدّ ذاته لا يحقق مصالح الشعوب. 



زيني محمد الأمين عبّاس 
14 ماي 2007
إرسال تعليق