الخميس، 17 مايو 2007

الجماهيرية : من المسؤول بالفعل؟

الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الديمقراطية الاشتراكية العظمى هو الاسم الذي يطلق على بلد مغاربي يعرف اختصارا بليبيا، السلطة فيه مسألة محسومة منذ ما يقارب الأربعين سنة، حسما أكيدا لكن معالمه غير واضحة تماما، فالسلطة – حسب المرجع الأخضر – للشعب مثلها تماما مثل الثروة والسلاح يمارسها من خلال هيكلية محكمة تعرف باللجان الشعبية تجتمع، تدرس، تتدارس، تخطط، تقرر، وتنفذ وفق آليات لا تهمك تماما معرفتها ما تهمك معرفته أن الأمر يتم بهذه الطريقة وليس بغيرها ويتم على عموم تراب الجماهيرية بكل إحكام وبكل شفافية، تماما كما لا يهمك كثيرا أن تعرف أن المرجع الأخضر المذكور هو بمثابة الدستور دون أن يكون دستورا فالدساتير تحوّر وتزوّر في جميع البلدان الأخرى أما المرجع فهو أثر محفوظة حقوق طبعه ونشره منذ زمن، لا يمثل غير مرجع يقدم توجهات تتبع ليس إلا.
الجماهيريون في بلدهم لا يعملون كثيرا لأن عملهم يتناقض – على ما يبدو – مع ممارستهم للسلطة، لذا فالمتعاقدون من خارج الجماهيرية كثر لا تكاد تفرق بين جماهيري وبين متعاقد إلا إذا طلبت جواز السفر فجوازات سفر جميع المتعاقدين عند الجهات المختصة التي تضمن بذلك أن يفي المتعاقد ببنود الاتفاق تماما كما تفي تلك الجهات بكل أمانة وكل صدق بما عليها الوفاء به من مقابل وإجراءات تحويل وضبط للعطل وأوقات المغادرة وأوقات الحلول، كلها أمور بديعة التخطيط ومحكمة البرمجة.
هذا الوصف لن تجد غيره إن تعلّق الأمر بقطاعين خدميين كبيرين هما قطاع التعليم وقطاع الصحة أما غير ذلك من القطاعات فلا يكثر فيه التعاقد كثيرا وإن وجد به متعاقدون فإن تعاقدهم يمكن أن يوصف بأنه تعاقد على الشيع كأولئك الذين يصطفون على جنبات الطريق كل يوم وفي جميع المدن تقريبا في نقاط محددة بأدواتهم وعضلاتهم ينتظرون من يقف بعربته يلتفون حوله علّه يختار من بينهم من يؤدي له خدمة ظرفية وبأجر محدد سلفا دون غير ذلك من تعقيدات ووثائق قد لا تكون لديهم أصلا، إذ معظمهم عابرو حدود بطريقة غير شرعية والعمل بهذه الطريقة ليس منتهى حلم سوادهم والجماهيرية في حد ذاتها ليست مبلغ سعيهم.
أمر هذه الفئة الأخير لا يهمنا الآن وإنما المهم ما تعلّق بالفئات السابقة خاصة منها ما يثير حاله ويشغل بال الجماهيريين وغيرهم من المهتمين بحقوق الإنسان :
يشغل الجماهيريين من حيث أنهم الضحية في بلدهم إذ من غير المعقول قبول أن يكون المرء في بلده حيث يجب أن يتوفر له الأمن والأمان أكثر من أي مكان آخر، في مؤسسات وهياكل تسهر على تقديم الخدمات تحت إشراف ورعاية السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ويتعرّض لمؤامرة من حجم مؤامرة الدماء الملوثة بفيروس داء نقص المناعة وتستهدف هذه المؤامرة حلقة مفصلية وركيزة من ركائز أمل المستقبل والبقاء متمثلة في الأطفال.
ويشغل المهتمين بحقوق الإنسان من زاوية أخرى مخالفة تماما – ليس من حيث عدم مشروعية انشغال أهالي الضحايا بمواجهة مأساتهم وضرورة التعاطف معهم – وإنما من حيث حال المتهمين ومدى حجم مسئوليتهم في القضية. ذلك أن المتعاقد – ووفق جميع القوانين والأعراف الإنسانية – محكوم ببنود اتفاق مكتوب بحبر على ورق وحدود مسئوليته تتحدد بما تعطيه إياه تلك البنود والجهة التي تشكل الطرف المقابل عند إبرام العقد وغالبا ما تكون العقوبات التي تترتب عن الإخلال ببنود العقد محددة هي الأخرى ومبلغها الفصل بحقوق أو بغيرها.
وفي قضية الحال تشكل الجهة الثانية الجماهيرية التي أبرمت العقد مع الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني وأوكلت لهم - كل من موقعه ومسئوليته - مهمة إسداء خدمات طبية لمجموعة من رعاياها على رقعة من ترابها، بديهي أنها لم تتعاقد معهم على حقن أطفال تلك الفئة بدماء ملوثة بفيروس داء نقص المناعة، لكنه كذلك من البديهي – حسب ما يمكن أن ينفذ إليه العقل – أن لا تكون الجماهيرية تعاقدت مع الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني على أن يكونوا ستتهم مشتركين في خطة وزير الصحة إن كان هو المسؤول عن استيراد الدماء من الخارج ولا على أن يكونوا ستتهم كذلك شركاء في منصب وزير الداخلية الذي يفترض - بما يتبع له من أجهزة أمن - أن تكون مهمته حماية رعاياه من كل راغب في الإساءة إليهم بالدم أو بغيره على افتراض أن الأمر أمر مخابرات وخيانات كبرى خاصة أن الفلسطيني قد يكون – في العرف الليبي – ذا علاقة مع الموساد إن لم يكن مع المخابرات الأمريكية وما تقومان به عادة من عمليات عنكبوتية مما تعلم تفاصيله وما لا يعلمه إلاّ الله.
كل ذلك بالطبع دون التدرج في تتبع حجم المسؤولية إلى مستويات أكبر من ذلك قد يصعب حصرها طالما السلطة للشعب والشعب ممتنع – إجرائيا على الأقل – عن إمكانية التتبع والمساءلة.
على افتراض سلامة الرؤية والطرح في ما تقدم تكون قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني واضحة المعالم، فإن افترضنا أن الدم جاء من الخارج فالمسؤولية محصورة بين الأطراف في الجماهيرية التي تنظم الدخول والخروج للسلع والبضائع والأشخاص بمن فيهم الممرضات والطبيب مشكلة بذلك الحلقة الأولى والأخيرة لحماية الليبيين ومصالحهم في ما تعلق منها بالخارج وارتبط به، حتى ولو ثبت بالدليل غير القابل للطعن أن الممرضات والطبيب تعمدوا ستتهم جلب ذلك الدم وحقن الأطفال الليبيين به لغاية في نفس من كان ومهما كانت نواياه ورغبته. وإن ثبت غير ذلك من أن عملية العدوى تمت من الداخل تكون السلطات الليبية كذلك صاحبة المسؤولية الأولى مثلها مثل جميع سلطات البلدان الأخرى التي – في وقت أو في آخر – اكتشفت أن الدماء تنقل الفيروسات والأمراض الخطيرة ولا عذر لها في جهل ذلك طالما هي سلطات بلد مسلم يعرف تمام المعرفة أن كنه تحريم الدماء نابع من علم عالم بأن المضار التي قد تنجر عنها أكثر مما قد يتصوّر الإنسان أن نقلها من آدمي لآخر بأي طريقة قد تكون له فوائد محسوبة المخاطر.
أي باب آخر يمكن من خلاله إثبات مسئولية الممرضات والطبيب – في نظري – لا مصداقية لفتحه اللهم إن كان التبرير بما لا يطلب أحد له من تبرير من أن السلطة في الجماهيرية للشعب والشعب صاحب المسؤولية الأولى والأخيرة منذ الإطاحة بالنظام الملكي في نهاية العقد السادس من القرن العشرين بثورة ما فتئت تتبدّل حللها وتوجهاتها والله وحده يعلم أي مآل سيؤول إليه حالها بعد قائد تدرج من شاب إلى قائد وزعيم فأممي دون أن يبدي أدنى علامات الكلل أو التعب من عدم تحمل المسؤولية.


زيني محمد الأمين عبّاس 
17 ماي 2007
إرسال تعليق