الخميس، 24 مايو 2007

العلمانية : ما لها وما عليها

العلمانية مبدأ بسيط يقوم على فكرة الفصل بين الدولة والدين هذا المبدأ يشكل عماد وركيزة حركة فكرية غربية برزت كردّة فعل على مساوئ مظاهر سيطرة رجال الدين والفكر الديني عموما على الحياة السياسية والاجتماعية في الحضارة الغربية خلال ما يصطلح على وصفه غالبا بعصور الظلام، تلك السيطرة ولّدت جوا من الضبابية وعدم الوضوح يختلط فيه ما هو غيبي لاهوتي غير خاضع لإمكانية التحقّق والإثبات وتقبل الاستفادة منه التأجيل بما هو دنيوي ضروري العلم والحسبان كي يكون جليا بمجرّد النظر إليه والبحث عنه بقليل من الموضوعية والإرادة الجادة لفهم الأمور والتعامل معها بما يحقّق قليلا من النفع والاطمئنان للفرد وللمجتمع.
والمبدأ في حدّ ذاته – وقبل الابتعاد عن مضمونه كثيرا – يحتاج في فهمه إلى فهم ما يتّصل به من مصطلحات، فالدولة مجموعة من الأبعاد المتشابكة تبدأ بالحيز الترابي المحدّد الذي يقوم عليه تناسق بديع بين ما هو بعد بشري اجتماعي بالبعد الهيكلي من إدارات وأجهزة ومؤسسات بالبعد الاقتصادي وآليات إدارة كل ذلك المتمثلة أساسا في السياسة. أما الدين فهو عبارة عن مجموعة الماورائيات التي تشكل الثقل في الميزان الذي تتأرجح عليه النفس البشرية في الوجود وعليه تبرز كل نقاط ضعفها، بغض النظر عن مصدر تلك الماورائيات أكان سماويا أو بشريا عقائديا، كلها تشترك بالضرورة في منطلق التسليم بأن مصدر تلك المنظومة هو المسؤول عن خلق وتنظيم الكون وهو من يتحمّل عبأ وهموم النفس البشرية وعليه تعلّق أملها في تخفيف همومها وآلامها وهواجسها في الدنيا وراحة نفسها وسعادتها في الآخرة، ذلك المصدر بالنسبة للدين الإسلامي وغيره من الديانات السماوية هو الله خالق الكون ومنظمه وعليه التعويل في تحقيق الخير والمنفعة والسلامة في الدنيا وفيه الطمع بالمغفرة والرحمة والسعادة في الآخرة.
والدين بمفهوم آخر أكثر بلاغة وأقرب للفهم - بحسن صياغته - هو العكّاز الذي يلازم النفس البشرية في فترة هرمها، ذلك الهرم الذي يبدأ بمجرّد اكتمال نضج العقل والجسد معا، إذ بنضج العقل يصبح إدراك حجم المسؤولية حقيقة تفرضها صيرورة وأعباء الحياة وهاجسا دفينا تتحسّسه الساعة البيولوجية انطلاقا من إحساسها بمخاطر نضج الجسد الذي به تتوقّف وتيرة البناء ويصبح الهدم البطيء هو التوجّه العام. 
وكلمة الفصل في المبدأ العلماني لا تعني غير معناها الواضح وما يتضمنه من أن يكون لكل من المصطلحين ما به يستقيم ويتطوّر بمعزل عن المصطلح الآخر. أي أن غاية العلمانية لا تتعدى ضمان أن تكون المعتقدات والماورائيات التي يتوازن بها العقل الفردي أو الجماعي في كل مجموعة بشرية بعيدة كل البعد عن مجريات تنظيم الحياة الجماعية في الشكل الذي لا محيد عنه والمتمثل في الدولة، إذ تنظيم حياة الجماعة وضبط ضروراتها لا يحتمل التعويل على الغيبيات والبناء على تلك الغيبيات كما لو كانت معلومة الحسابات. قد تصلح الغيبيات في تحقيق التوازن النفسي لمخلوق بملكات تمكنه إدراك أنه خلق بغير إرادته ولا يتحكّم تماما في كل ما قد يتعرّض له من مخاطر في محيط الجهل بملابساته وتعقيداته هو القاعدة ناهيك عن قدرته على إدراك أن له مصيرا محتوما يعلمه، لكنها منطقا وعقلا لا تصلح لأن تكون أساسا صلبا يضمن أن يأمن الأفراد في المجموعة شرّ بعضهم بعضا ومنهجا يتم به تحديد حجم المسؤوليات وما يترتّب عنها من ضرورات التنازل عن ميزات وخصائص تحدّد في المجموعة مسؤولا عن تنظيم حياتها والتحكم فيها لمدّة محدّدة، ذلك التنازل لا يكون إلا بنسق توافقي يتم بموجبه وضع صيغ وأطروحات محايدة يُتّفق عليها مسبقا على أنها – وهي وحدها – الحكم بين الأفراد في تنظيم شؤونهم، تلك الصيغ يعبّر عنها بالقوانين وقد شكّل بروزها في تاريخ تطوّر الحياة البشرية مفصلا واضحا بين أنماط الحياة الفردية على النسق الحيواني وبين الحياة الاجتماعية وما تمتاز به من تعقيد يستدعي الإدارة والتسيير بشكل منهجي.
لا يعني هذا الطرح إنكار أن الدين جاء بمجموعة من القوانين تصلح بدورها لتنظيم حياة البشر لكن تلك القوانين تختلف عن القوانين الوضعية بكونها تشريعات إلهية متعالية في صياغتها عن قدرة البشر وممتنعة عن إمكانية التعديل أو التغيير بما تقتضيه ضرورات الحياة، هذا التعالي وذلك الامتناع لا يجعلان منها غير صالحة لتنظيم بعض أمور البشر لأنها في الأساس تنظم أمورا قاعدية في الحياة البشرية صالح تنظيمها لكل زمان ولكل مكان وهي من المنطق بدرجة تجعل أي سعي لصياغة قوانين وضعية تخالفها يولّد نتائج أقرب إلى إفساد أمور البشر منه لإصلاحها، من تلك القوانين – على سبيل المثال لا الحصر - تحريم استباحة النفس البشرية مثلا وتحريم بعض الروابط الجنسية وعلاقات التزاوج بين البشر......
وتشترك القوانين الإلهية جميعها في كونها تأسيس للثوابت التي بدون تثبيتها وإقرارها لا تتوفّر شروط وظروف استمرار الحياة البشرية على الوجه الأكمل.
ممّا تقدّم يمكن استخلاص أن الفصل بين الدين والدولة وضع ضروري وأكيد ولا يتناقض مع روح ومصلحة كل منها، إذ يضمن لكل فرد في المجتمع حريّة التمسك بثوابت دينه وحرية ممارسة شعائره دون أن تكون لمارستها تبعات دنيوية سلبية على علاقته بغيره وفي نفس الوقت يكفل للمجتمع حريّة التمسك بحقّه في وضع النصوص التي بها يكون ضامنا لآليات تسيير شؤونه بصفة نهائية وحاسمة وفق التوافق المنبعث من مبدإ الإيمان بإيجابية الاختلاف والتنوع في الأفكار والمعتقدات والقبول بأن التوافق عامل إلزام لجميع الأفراد في المجتمع به يكون القبول بقوانين لعبة الحياة بناءً، تلك القوانين التي تقضي دائما بأن يكون هناك قوي وضعيف، ظالم ومظلوم، مسيطر وتابع، حاكم ومحكوم دون أن تكون إمكانية تكريس وضع كون الغالب غالبا دائما والمغلوب مغلوبا باستمرار، الحاكم ما دام والمحكوم على الدوام، وحتى إن توفّرت مثل هذه الوضعيات لا تكون أبدية أو على الأقل لا تكون فرصة ديمومتها أمرا محسوما سلفا.
قد تفهم العلمانية على أنها جاءت لتكون نقيضا للدين أو للتديّن من زاوية فهم أن الدين ما جاء إلاّ ليكون المنظّم المطلق لحياة البشر لكن هذا الفهم يحتاج – في إقراره – للاتفاق، وقبوله دون ذلك يشكّل حدّا من حرية العقل والبشر معا، وإن افترضنا سلامة طرح أن الدين منظّم مطلق لحياة الناس نكون قد جرّدناهم من كل أساس لمسئولية قد تترتّب عن إدارة أمورهم وهذا طعن في ضرورة ومعنى العقل باعتباره أساس ومنطلق ومدعاة المسؤولية.
كما قد يعاب عليها أنها انطلقت من تقويض فكرة القداسة التي تشكّل ميزة تتحلى بها معظم أطروحات الأديان لتجرّد الدين بذلك من درع حمايته الأول والأخير تمهيدا لتكريس مكانة ودور العقل في فهم وتفهّم سبل إدارة صراع الحياة، وهو أمر مردود من أساسه إذ لا تشكل القداسة درعا واقيا بقدرما هي مدعاة للاحترام وللتقدير، إضافة إلى أن مفهوم القداسة يحتاج في تثبيته للقبول، والقبول والرفض مبدءان يقرّهما الطرح الديني نفسه ومن غير المنطقي أن تكون أداة الحماية الأولى التي تؤمّن للدين سبل بقائه خاضعة لرغبة المطالب بتقبل المنظومة الدينية. صحيح أن العلمانية حاربت استخدام مفهوم القداسة كحجّة تمنع على غير رجال الدين التفكير في المسائل الدينية وهو منهج سليم لكن غايته لم تكن تجريد الدين من وسائل حمايته بقدرما كانت تروم قطع الطريق الذي يسلكه رجال الدين وفيه يتّخذون من القداسة ذريعة لاستمرار تحكّمهم في الناس وشؤون حياتهم بقراءاتهم المتعدّدة للمسألة للدينية، تلك القراءات التي كانت ولا تزال نابعة من غايات وأهداف معظمها لا يمتّ إلى الدين بصلة.
والمأخذ الذي يمكن إقراره دون عناء كبير وإسناده للتفكير العلماني هو ما برز في المجتمعات الغربية من جفاء وابتعاد عن الدين والتديّن، على افتراض أن ذلك عيبا إذا ما قبلنا تنزّل المسألة الدينية ضمن إقرار مبدأ الحرية والمسؤولية، حيث مثّل التفكير العلماني ملجأ آمنا للنفس البشرية به حقّقت عامل توازن بديل للركيزة الدينية من خلال الثقة – المبالغ فيها ربّما – في العلم وقدرة الإنسان على تطويره والتحكم فيه بما يؤمّن ضبط حسابات المستقبل. وحتى هذه تبقى مسألة فيها نظر، إذ السؤال الكبير الذي ينتظر الإجابة قبل اعتبار التفكير العلماني مسئولا هو: هل جفاء الإنسان الغربي وابتعاده – دون أدنى ندم – عن الدين ومناهجه يرجع إلى ثقته في التفكير العلماني البديل أم مردّه في الأساس إلى حجم انعدام الثقة في مصداقية ما كان يقدّم له من قراءات للدين على أنها الطرح الديني السليم؟
ولئن رجحت الإجابة في البداية قبول الطرح الأول من حيث بداهة العلاقة السببية بتلازم طغيان وسيطرة التفكير العلماني وجفاء الناس للدين زمنيا فإن هذا التفسير قد لا تؤيّده عواقب تطوّر كل من الحالتين، تلك العواقب التي أبرزت عجز التفكير العلماني عن منع عبور النفس البشرية في تلك المجتمعات للصحراء وما ولّده من مظاهر الفردية وانحلال الروابط الأسرية والتأزم النفسي والانتحار..... مما ساهم في البحث الدؤوب عن بديل البديل. وقد شكّلت سيطرة أطباء وعلماء النفس على المجتمع المظهر الأكثر قبولا والنتيجة الملموسة لذلك البحث إلى جانب العودة إلى أشكال متطرّفة من الممارسة الدينية المتعصّبة في شكل فرق ونحل مغلقة متشبّعة في ممارستها وفهمها للدين بمظاهر الداء أكثر من كونها أملا في الدواء، ولا أدلّ على ذلك من أسلوب الانتحار الجماعي الذي قامت به بعض تلك الفرق في التسعينيات في سويسرا وفرنسا.


زيني محمد الأمين عبّاس 
24 ماي 2007
إرسال تعليق