الثلاثاء، 12 يونيو، 2007

"العالم العربي" بين الأمس واليوم

عندما أتذكّر كم كان الحجر كبيرا عليّ وعلى من هم في مثل مستواي وثقافتي والتزاماتي السياسية والعقائدية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين من الشباب العربي عامّة والموريتاني بصفة خاصّة، عند صياغة تركيب "العالم العربي" وما تثيره هذه الصياغة من غضب واستبسال في إثبات ما يكمن وراءها من إرادة التآمر على الأمة العربية ومقومات تجانسها الفريدة من حيث اللغة والدين والتراث وما تشكّله تلك المقومات من أسس متينة للوحدة، فاضحين بذلك نوايا من يصف "الوطن العربي" بـ"العالم العربي"، أدرك كم يكون المرء في ربيع عمره طريّ الفكر سهل الاحتواء والتجنيد خلف سليم الأفكار وسقيمها وألتمس عذرا إلى حدّ ما لمن ما يزالون – بدافع القناعة – يرتكبون حماقات في بداية القرن الواحد والعشرين باسم العروبة وباسم الإسلام إلى حين بذل ما يكفي من الجهد في سبيل إنارة عقولهم وتنويرها بما يكفل لهم الحصانة والمناعة الضروريتان لجعلهم يفهمون الفرق بين أن يكون المرء قادرا على إنتاج فكرة سليمة و قدرته على فهم أفكار الآخرين وتبنيها والاستماتة في سبيل الدفاع عنها ونشرها.
وفي هذا الصدد أودّ أن أبيّن أن ما يثير الغضب تحت سقف القومية العربية في صياغة "العالم العربي" منطقي ومثير للغضب فعلا إذ "العالم" كلمة تفيد أقصى مستويات التنوّع والاختلاف في الكون المعلوم سواء من حيث الحدود الجغرافية التي تطابق مساحة ومحيط الكرة الأرضية أو من حيث الميزات البشرية بشموليته لكافة البشر في تلك الحدود المذكورة على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وأعراقهم وعاداتهم وتقاليدهم..... وربط هذا المستوى الأوسع من الاختلاف والتنوع بالعرب يجافي الحقيقة في الواقع فهم يشتركون في وحدة اللغة والتاريخ والتراث والثقافة والدين إلى حدّ كبير ويشغلون حيزا جغرافيا محدودا ومتصلا.
هذا الطرح في الحقيقة واقع لا يقبل النفي أو التشكيك في سلامته لكن ما يقبل النظر والتشكيك في الأمر مصدره فهو مقدّمة لبناء ونسق فكري من نوع خاص قائم على اعتبار القومية الإطار الأوحد والركيزة الأسلم للفكر السياسي المعاصر والسبيل الأفضل المؤديّ إلى تحقيق مصلحة الشعوب العربية وإدارة شؤونها.
والقومية كنهج سياسي تاريخيا نبتت في تربتين مختلفتين: إحداهما فكرية بحتة متمثلة في فكر ميشيل عفلق وعرفت بالبعثية وتمّ تطبيقها واقعيا في كل من العراق وسوريا والثانية تجريبية مستقاة من تجربة الزعيم العربي جمال عبد الناصر في الحكم في جمهورية مصر العربية بعد ثورة يوليو 1952 وما حملته من تغيرات جذرية وإعادة توازنات على الخريطة السياسية العربية في فترة ما بعد الاستقلال وعرفت بالناصرية.
وعلى الرغم من وحدة موضوع التجربتين في المنطلقات والأهداف إلا أن اختلافهما في المناهج والبيئات جعل منهما – ولمدّة طويلة – مثال التناقض والتضاد بامتياز وهو أمر كان ولا يزال يدلّل على عمق جذور عيوب الفكر القومي في حدوده الضيقة التي لا تكاد تتجاوز غالبا حدود الشخصيانية المؤدية للاستئثار بالسلطة، المصادرة لحقّ التفكير والتنظير وإبداء وجهات النظر المختلفة في ما يطرح في المجتمعات من معضلات ومشاكل يستدعي حلّها تضافر جهود جميع أفراد تلك المجتمعات بما يحمل بذور نجاعة الحلول وصلاح الأمور.
وليس التنافر القطبي الكامل بين البعثية في العراق ممثلة في شخص صدام حسين والبعثية في سوريا ممثلة في شخص حافظ الأسد وورثته من بعده إلا التأكيد الذي لا يرقى إلى مستواه الشك على أن الأمر في الفكر القومي لا تحدّده وتتحكّم فيه المبادئ والأهداف بقدرما هو مسألة شخصية بحتة تكرّس سلطة الفرد وتقدّس له، فعلى الرغم من أن كلا من الجانبين يدّعي استقاء طرحه السياسي من فكر ميشيل عفلق وعفلق واحد الشخص والتفكير فإن كلا من العراق وسوريا باتا ولا يزالان بعيدان كل البعد عن مجرّد التصوّر بأن تقوم بينهما علاقات دبلوماسية سليمة ناهيك عن فكرة الوحدة المنطلق في فكر ميشيل عفلق وغاية الطرح القومي. وهو أمر يُغني عن محاولة البحث عن دليل إثبات على أن العيب عند المقارنة بين القومية البعثية والقومية الناصرية في أسس الفكر القومي نفسه دون الوصول إلى سرد إخفاقات كل منهما والتي تشكّل وحدة المحصلة فيها العامل الأبرز متمثلة في تمسّكهما التام بزمام الأمور إلى حدّ تسليم الشعوب – بما ثكلت به من أسقام وجراح خلال العقود المتتالية – إلى المستعمر لقمة سائغة.
وهو حال العرب ومصر من خلال الهزائم المتلاحقة التي ولّدتها مغامرات جمال عبد الناصر وجنرالاته في وجه العدو الإسرائيلي وحال الشعب العراقي الذي قدّمه صدام حسين على طبق من ذهب للإدارة الأمريكية بعد فترة طهي وشيّ طويلة بدأت بمغامراته الجنونية ضدّ إيران وانتهت بالغزو الأمريكي والاحتلال سنة 2003 مرورا بجرائمه المتتالية ضد جميع أطياف شعبه وغزوه دولة الكويت سنة 1991. ولن يكون مصير السوريين بمختلف عن اخوتهم في العراق إن استمرّ نظام الأسد الابن على النهج الذي هو عليه في إدارة شؤون شعبه وشعب لبنان وفلسطين على غرار ما شهدته الأسابيع الماضية من استفتاء على قداسة شخصه تماما كما فعل صدّام حسين أشهرا قليلة قبل الاحتلال.
ذلك أن النظام السوري – حسب ما أرى – يراهن على تصورات خاطئة يمنعه انغلاقه البنيوي عن إدراك مبلغ مؤداها، منها على سبيل المثال الاحتماء بالفلسطينيين كدرع في وجه إسرائيل غير مبال بما يسببه ذلك من ضرر لقضيتهم المركزية مكتفيا بلعبهم كورقة ضغط يمسكها في وجه إسرائيل مقدرا لها من عنده قيمة ووزنا دون إدراك حقيقي لمدى اعتبارها ووزنها لدى الطرف المقابل، إضافة إلى رهانه على أن إذكاءه نار الفوضى والفتنة الطائفية في العراق تحت غطاء دعم المقاومة واعتباره نظامه طريقا وحيدا لحل ما علق بورطة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق من مشاكل سيشكل حصنا منيعا من غزو أمريكي محتمل لبلاده بدعوى أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تستطيع المغامرة بفتح جبهة جديدة طالما باتت قناعته هو بفشلها الذريع في العراق راسخة.
كما أنه لا يحسب بشكل صحيح مخاطر استمراره في تملّك أمر لبنان وأهله واستباحة أرواح الأحرار فيه لمجرّد إعلانهم على الملأ معارضة سياساته البوليسية معوّلا على من والاه منهم وشاركه على الأرجح جرائمه، حجّته في ذلك اشتراط توافق مطلق يعني ضمنا وحتما إرضاء شركائه - ولو أقلية – بتملّكهم الوصاية على الدولة والمجتمع بما يصوغونه من أطروحات ينمّ تناقضها أحيانا عن تأخّر في وصول التوجيهات والإملاءات أو عدم فهمها على الوجه الصحيح.
فموقف شركائه في لبنان مثلا من المحكمة ذات الطابع الدولي الذي بات المحرّك الرئيس لمواقفهم من مجمل القضايا الأخرى يبيّن بما لا يدع مجالا للشكّ مدى احتمال تورّطه وإياهم في جميع جرائم القتل التي بدأت بمحاولة اغتيال النائب والوزير مروان حمادة وصولا إلى أزمة نهر البارد وما يزعم من دور أكيد في نظره ونظر من والاه لشبكة القاعدة فيها غير مبال أنه إن ثبت دور القاعدة في نهر البارد تكون تهمة التفريخ في سجون المخابرات السورية ثابتة وكافية كغطاء للولايات المتحدة والمجتمع الدولي باستهداف النظام السوري كراع للإرهاب.
مَثل النظام السوري وقوعا في الشراك والقصور في الفهم كمثل مواليه في المعارضة اللبنانية الذين يسوقون فكرة أن إعطاءهم مشاركة "حقيقية" في الحكومة على النحو الذي يفسرون به معنى المشاركة الحقيقية من شأنه إيقاف ما يتعرّض له لبنان من عدم استقرار ومخاطر تفجّر للأوضاع في أي لحظة بما في ذلك وضع حدّ لظاهرة ما يعرف بـ"فتح الإسلام" غير مدركين أن ثبات قدرة مشاركتهم "الحقيقية" تلك على منع ما يخوفون به أهل البلد دليل إدانة لهم بالوقوف وراء كل محاولات التخريب والاغتيال السياسي، يؤيّده في ذلك صدفة اشتراك جميع الذين تعرضوا للاغتيال والمستهدفين بالتخويف في معارضتهم الشرسة للنظام السوري ووصايته على لبنان إضافة إلى حقيقة أن حلفاء هذا النظام في لبنان اليوم وحدهم يملكون من السلاح والأجهزة ما به يستطيعون القيام بأعمال تبقى أسرارها طيّ الكتمان.
واللافت للنظر سماع بعض الاتهامات أحيانا يطلقها حلفاء النظام السوري للضحايا بأدوار يلعبونها في ما يتعرضون له من قتل وتخويف على سبيل دور السنة في بعث حركة "فتح الإسلام" لتكون عامل توازن رعب في وجه المليشيات المسلحة الشيعية ممثلة في "حزب الله" فيصبح بذلك انقلاب تلك الحركة على السنة مجرّد انقلاب للسحر على الساحر وهو طرح معقول إن ثبت أن مفهوم السنة في لبنان اسم مرادف لأجهزة المخابرات السورية.
قد يفهم المرء رغبة معارضي النظام السوري في لبنان في الإساءة إلى ذلك النظام من منطلق الأخذ بالثأر والنشوة بتحقّق الفصل العضوي مع أجهزته المرئية على الأقل وهذا حقّ لهم لا يناكفهم عاقل فيه لكن فهم أن يبلغ بهم حدّ الرغبة في الإساءة إليه التضحية بقادة في مستوى حنكة ووجاهة رفيق الحريري وتجفيف أقلام تلاعبت بها أنامل جبران تويني وسمير قصير وإذبال زهور ريعان شباب بيير جميّل أمرا كان وسيظل عصيّا على الفهم مهما برع الخطباء والمنظرون في ادعاء امتلاك الأدلة التي تثبت صحّة ما يسعون به إثبات أن براءة النظام السوري وإياهم من تلك الجرائم كلّها ترقى إلى مستوى براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
من هذا المنطلق تبدو المعارضة في لبنان – إن صحّت تسميتها بهذا الاسم طالما تتربع على عرش رئاسة الجمهورية وتعطّل عمل مجلس النواب وتمتلك ترسانة من السلاح تفوق في عتادها إمكانات الجيش النظامي– كمن يسعى جاهدا لتبرئة متهّم التهمة شبه ثابتة عليه بالتحامل على الضحية علّها بما يثيره ذلك التحامل من خوف تتنازل عن حقّها مقاضاة المتهم، وهو موقف يجد في بنية جزء من هذه المعارضة على الأقل ما يساعد على فهم مصدره. فالمتابع للشأن اللبناني يدرك بجلاء أن ما يسمى المعارضة اليوم قائم في الأساس على دعامة قوّة ما يسمونه "حزب الله" مع العلم أن موقف المتأني من هذه التسمية يحتّم عليه المطالبة بحقّ الاطلاع أولا على التوكيل الذي بموجبه فوّض الله عبادا من مخلوقاته تكلّف عناء إقامة حزب سياسي باسمه.
و"حزب الله" – علاوة على اغتصابه حقّ التفويض الإلهي – يغتصب حقّا آخر لا يقل أهمية متمثلا في "المقاومة" التي – على دعوى المتملكين وحدهم شرعيتها – ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها ذات الفضل على لبنان وأهله في ما يسمى التحرير الذي بات رديف وقرين الاستقلال وثمنه الأدنى رضوخ جميع اللبنانيين على اختلاف طوائفهم لإرادة "المقاومين".
على الرغم من أن لبنان – خلافا لغيره من الدول العربية الأخرى – لم يعان كثيرا من مظاهر تحجّر الفكر القومي في حدوده الضيقة إلا أنه لم يسلم من تبعات ذلك الفكر، إذ بات من شبه الأكيد أن التقوقع خلف أحد مقومات الهوية العربية الإسلامية كملهم للتفكير السياسي لم يترك مجالا آخر للذين لا يجدون في العروبة شعارا مناسبا غير أسر الإسلام باعتباره المقوّم الثاني الوحيد للهوية وجعله مرجع الأطروحات السياسية، مما ولّد تيارات وحركات إسلاموية عديدة تتاجر بالدين الإسلامي وتصادر حريّة الفكر والتفكير وتوصد الأبواب أمام آفاق الاختلاف البناء في الآراء، واضعة الثوابت موضع المتحولات، مضفية صبغة الثبات على ما تطرحه من أفكار أقلّها ما ذكر سلفا من إنشاء الأحزاب باسم الخالق وقداسة الكلمات مثل "المقاومة" و "الجهاد" و"الاستشهاد"..... وقد ازدادت طينة لبنان بلّة بضعف سلطته المركزية في مقابل القوّة النسبية لجيرانه مما حمّله عبأ تكلّف عناء دفع ثمن إخفاقات الفكر القومي في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي باستقبال آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين أوصدت في وجههم أبواب سوريا ومصر والأردن فاستقبلهم لبنان مكرها بسلاحهم وفوضاهم في مؤامرة كبيرة الأمم المتحدة منسقها الأكبر، إذ تدرك جيّدا أن قوانينها الراعية لحق لجوء الشعوب تمنع الجمع بين صفتي اللجوء وحمل السلاح ناهيك عن إدراكها أيضا منع قوانينها تجريد بلد ما من حقّ ممارسة سيادته على أراضيه.
وبتجاوز هدف تحديد المسؤوليات وعواقبه تبقى ضرورة البحث عن إجابات على التساؤلات التالية أفضل مساهمة في البحث عن سبل خلاص الشعب الفلسطيني ولبنان :
هل الفلسطيني في الشتات أو على أراضي السلطة الفلسطينية بحاجة إلى السلاح كي يثبت هويّته وحقّه في إقامة دولته على جزء من أرض أجداده؟
إن كان مبلغ جهد الفلسطيني اليوم ومنتهى سعيه حمل إسرائيل بقوّة السلاح على الاعتراف بأنه صاحب الحق الشرعي في الأرض هل بوسعه عمليا بلوغ ذاك الهدف؟
هل تلخّصت قضية فلسطين بتعقيداتها وتشعباتها في الرهانات الخاسرة سلفا؟
إن كانت ستة عقود من الصراع غير كافية لحمل الفلسطينيين والعرب على الاقتناع بفشل الخيار العسكري في تحقيق الأهداف المنشودة كم يلزمهم من السنين مستقبلا لحسم الأمر عسكريا؟
هل زعزعة أمن لبنان على أراضيه ببنادق الفصائل الفلسطينية طريق موصلة بالتأكيد لتحرير فلسطين وإقامة دولة مستقلّة عاصمتها القدس؟
ألا يكون المفكّر العربي اليوم أكثر قناعة بأن حجم التناقضات والاختلاف في الجسم العربي على وحدة مقومات قيمه وثقافته أكثر تعقيدا وتشعبا من حجم تناقضات واختلافات العالم بأسره طالما تأكّد العجز عن تحقيق هدف بسيط يتمثل في ترسيخ فكرة الإيمان بالاختلاف في المجتمعات العربية رغم أن هذه الفكرة باتت عالميا مصدر إثراء ومحور جمع للجهود والطاقات؟
قناعة بمثل هذا الرسوخ والتجذّر في عقل عربي شبّ على الإيمان بأن القومية هي المنهج الأسلم لإدارة شؤون العرب تولّد إيمانا راسخا بضرورة الربط الأبدي بين عبارتي "العالم" و "العربي" في الفكر والوجدان العربيان والتطلّع إلى العالم وطنا به أقرب احتمال لتحقّق السعادة والرخاء من رقعة محدودة العرب عاجزون عن الخروج بها من دائرة التجاذب والمزايدات بعضهم على بعض غير مولين أدنى اهتمام بمخاطر ما يحمله هوان المبادئ والثوابت ومقومات الهوية إلى درجة النزول بها لمستوى البرامج السياسية التي لا مصداقية لها خارج النسبية والتحول باستمرار.


زيني محمد الأمين عبّاس 
12 جوان 2007
إرسال تعليق