الخميس، 21 يونيو، 2007

هل للعرب إعلام جدير بالاسم ؟

عند الحديث عن الإعلام الجدير بالاسم تنصرف الأنظار حتما إلى كل الوسائل التي تقوم بتأدية خدمة إعلامية وفق مجموعة من الشروط والقواعد متعارف على أنها قواعد المهنة وأبرز تلك القواعد والشروط الحياد بوصفه ركيزة أولى والموضوعية باعتبارها ركيزة ثانية وتوخّي الصدق والتدقيق في نقل المؤكّد من الأخبار كل ذلك بما تيسّر من درجات التجرّد من المادة المنقولة باذلة في سبيل ذلك كلّه الغالي والنفيس من الجهد والأرواح متخطيّة كل الصعاب والعوائق المادية والبشرية. والإعلام بهذا المعنى عند العرب ما يزال حلما إذ تنقسم وسائل الإعلام العربية إلى خمس مجموعات متميّزة :
المجموعة الأولى : يمثلها الإعلام الرسمي أو على الأصح إعلام الأنظمة وتتصف هذه المجموعة بالقدر الشحيح الذي تتميّز به الأنظمة العربية من الانفتاح والشفافية والموضوعية إن توفّر وهي بذلك شريك تلك الأنظمة وأداتها الأولى فيما تقوم به من قمع للحريات وتكميم للأفواه ومصادرة للحقوق والأحادية في الطرح والاختزالية في المواقف وتزييف الحقائق وتسويق وتبرير ما بات تسويقه مخجلا من الأخبار السلطانية والملكية... وتزيد جريمة فوق جرائم الأنظمة متمثلة في كون ذلك جميعه يتمّ بانتحال صفة مهنة شريفة بلغ نبل رسالتها ببعض المفكرين والباحثين درجة تسميتها مجازا بالسلطة الرابعة على اعتبار استقلاليتها التامة عن جميع السلطات الثلاث وسلامة الدور الذي تلعبه - إن هي مورست وفق قواعدها – في حمل المسؤولين والقيمين على الشأن العام على الاستقامة والنزاهة في التعاطي مع ما يوكل إليهم من مهام ومسؤوليات خدمة لشعبهم. ولا تستحق هذه المجموعة من وسائل الإعلام – في الحديث عنها – أكثر مما سبق اللهم ما لزم من إشارة إلى أن جمهورها يكاد يقتصر على المحرومين بكل ما تحمله الكلمة من معنى أو الدعوة إلى ضرورة تتبع القيمين عليها ومقاضاتهم بما تعلّق بالتآمر على الشعوب والخيانة الكبرى والجرائم الأخرى من تهم.
المجموعة الثانية : وتمثلها وسائل الإعلام الحزبية خارج نطاق الممارسة الفعلية للسلطة في الدول التي لا تكاد فيها سلطة الدولة والحكام تتعدّى حدود قصر الحكومة مثل لبنان والعراق وبعض وسائل الإعلام الرسمية تحت الغطاء الحزبي موجّهة لجمهور غير ناطق بلغة الجهاز الرسمي كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية.
وهذه المجموعة – كما يستشف من تسميتها – واجهة لترويج أفكار الحزب – إن توفّرت – ولا تختلف كثيرا عن المجموعة السابقة اللهم فيما تعلّق بمركز وحجم وجاهة زعيم الحزب إن لم يكن هو الممارس بالفعل للسلطة في بلده وتتمتّع غالبا بإمكانات هائلة تجعلها حاضرة على جميع المستويات مخدّرة المتابعين من المنتسبين للحزب والمتعاطفين معه واقفة بذلك في وجه احتمال انفتاحهم على غير أفكاره من الأفكار الأخرى مطالبة في نفس الوقت بالتمتّع بالحصانة الصحفية رغم أن تمترسها يخلّ بقواعد المهنة. وخير دليل على ذلك ما يسوّق له على أساس أنّه زلّة لسان غير مقصودة عندما قتل النائب في البرلمان اللبناني وليد عيدو وبرزت مقدّمة أخبار مبتهجة بالحدث متمنية المزيد من قتل نواب الأكثرية بدعوى أن مواقفهم ومراكزهم تحبس أنفاس الحركة أو التيار الذي تمثله هي والقناة التي تعمل بها، في تدليل واضح على مستوى رسوخ فكرة الإقصاء والتصفية في "الفكر" السياسي العربي.
والعتب على مثل هذه القنوات والقيمين عليها غير مجد كثيرا طالما باتوا مرآة صادقة تعكس ما يدور في خلجات نفوس الممارسين للعمل السياسي في العالم العربي من حيث هم سياسيون ديمقراطيون شكلا ظلاميون دكتاتوريون مضمونا قائمة أفكارهم وبرامجهم على مساع بنيوية في تحييد الرأي الآخر واختزال المواقف في من يؤيّد ويطيع ويرتقي في درجات ما دون القمّة حسب الإخلاص والتفاني في الخدمة ومن يعارض وتتأكّد معارضته ويعامل على أساس الاستبعاد والحذر في انتظار أن يكاد له فيموت. 
المجموعة الثالثة : والأهم عمليا تمثلها قنوات الأخبار والمال العربية "المستقلة" التي ولدت مع نهاية القرن العشرين على نمط محاكاة شبكات إعلامية دولية مستقلة وبالتنسيق معها في بعض الأحيان كما كان الحال بالنسبة للـMBC قبل الطلاق من شبكتها الأم BBC، ليحاكي بعضها بعضا بعد ذلك في مسلسل من ناسخ ومنسوخ ما تزال حلقاته متتابعة حتى أيامنا هذه.
وتختطف أضواء هذه المجموعة شبكات تلفزيونية عربية كبيرة مثل قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة أبو ظبي....
وهي مجموعة قنوات – والحق يقال – صاحبة فضل كبير في إشاعة ثقافة التعاطي بدرجة كبيرة من سهولة الاطلاع والاستدامة مع شؤون الأمة العربية والإسلامية خاصة بعد انتشار التقنيات الرقمية وأجهزة الالتقاط الأرضية للبث عبر الأقمار الصناعية لكن ذلك يتم بارتباط عضوي بكل ما يعيق العالم العربي ومجتمعاته من عيوب مخلّة في ترسّخها بأداء الرسالة الإعلامية.
من ذلك على سبيل المثال لا الحصر التظاهر والتأكيد على صبغة الاستقلالية في الوقت الذي لا تخلو فيه قناة من هذه القنوات من شائبة صلة أو تأثّر يوجّه اهتماماتها وتوجهاتها وتعاطي العاملين فيها مع المواضيع التي يتم تناولها بالإخبار أو بالتحليل السياسي.
فالمتابع لقناة الجزيرة ومنذ إنشائها يدرك – إن هو تمتّع بدرجة قليلة من الحس الموضوعي – مدى الخلفية الإسلاموية لنظرة وتعاطي هذا المنبر الإعلامي الكبير مع الأحداث خاصة بعد قطع حبلها السرّي بالدولة القطرية من حيث التمويل نتيجة الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق ذاك الهدف.
هذا الطابع الإسلاموي يبدو جليا من زوايا متعدّدة منها التبني الواضح للقضية الفلسطينية والرؤية الإسلاموية بشكل خاص القائمة على فكرة أن ما يسمى المقاومة المسلّحة هي الحل الحتمي لهذا الصراع، والارتياح الملموس لمعظم مقدّمي البرامج ونشرات الأخبار عندما يبدأ المتدخّل بالتأكيد على البسملة كمقدمة تجزيه عن تلقي أسئلة من شأنها إبراز عيوب خطابه وما يتضمنه من أفكار وبرامج سياسية حتى ولو كانت مغالطات مكشوفة. مثال حي من مجريات الأحداث في غزّة والحسم العسكري الذي قامت به حركة حماس للصراع الدائر بينها وبين حركة فتح والذي تمّت معظم فصوله على شاشة الجزيرة ويتمثّل في تأكيد جميع المتدخلين من حماس على أن ما جرى عملية تحرير ثانية باعتبار الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب – والذي طالما نددت به حماس والجزيرة – تحريرا وبقوّة السلاح يسجّل لحركة حماس كنصر على الآلة العسكرية الإسرائيلية ونفس القول يوصف به انسحاب إسرائيل أيضا من جنوب لبنان سنة 2000 الذي يشكّل "حزب الله" بطله، وذلك كلّه دون أدنى محاولة من الجزيرة تصويب هذه المغالطات وما يبنى عليها من مبررات لأعمال أضرارها مؤكّدة على القضية الفلسطينية والأوضاع في لبنان.
إن لم يكن ذلك كله نابع من قواسم مشتركة بين المتحدثين على شاشة الجزيرة – وهم يمارسون حقّهم في التعبير عن أفكارهم – وبين المقدمين والعاملين في هذه القناة والذين يفترض أن يكونوا قيّمين وحريصين على صدق ما يمرّ عبر مجهوداتهم من أخبار وتحليلات للمشاهد الكريم، فلا أدري عندئذ ما معنى القواسم المشتركة. ناهيك عن أن من لا يبسمل على قناة الجزيرة غالبا ما يداهم الوقت أفكاره وإن لم يكن الوقت فالأقمار الصناعية.
ليس هذا الطرح من دافع موقف سلبي من البسملة التي هي مدخل كل عمل يريد له المسلم النجاح لكنه مجرّد ملاحظة وفطنة لعملية متاجرة تتم بالدين على شاشات التلفزيون، فالمتدخّل حرّ في أن يبسمل وهو بين أيدي المزوّقين يستعدّ للتدخل لكنه غير حرّ في أن يشتري عاطفة المستمع والمشاهد كي يمرّر مغالطات وأكاذيب صياغتها تتنافى مع مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي ونتائجها وخيمة على الملايين وعلى قضاياهم.
كما لا يشكّل إنكارا للعاملين في الجزيرة بحقّهم في أن تكون لهم مواقف واضحة من القضايا التي تواجهها الأمة التي ينتمون إليها بقدرما هو عتب على أن تكون مواقفهم الشخصية وخصوصياتهم الفكرية عائقا في وجه ممارسة العمل الإعلامي على الوجه الأكمل، وهو الأمر الذي يشكّل خطرا جرّبوه في أكثر من مناسبة.
مثال آخر بسيط في العرض عميق الدلالة يبرز من خلال التأكيد عند تناول أزمة نهر البارد في أيامها الأخيرة عبر قناة الجزيرة على الجهود والمساعي لإيجاد حلول ومخارج غير الحسم العسكري الذي بات حتميا وهو أمر له علاقة – ربّما – بقواسم مشتركة مع التيارات الإسلاموية الفلسطينية التي تسعى دون كلل لإبقاء الخيار قائما حتى تضمن مخرجا يحفظ وجه المعتدي قبل المعتدى عليه.
وما يقال عن الجزيرة يقال مثله عن قناة العربية لكن من زاوية أخرى مناقضة في التوجّه من حيث هي مقيّدة بالسعي الحثيث للبناء على نسق الجزيرة في محاكاة مفضوحة والنفوذ المالي السعودي الذي بات يدفع بها باستمرار للتخصص في مجال المال والأعمال خوفا من أن تٌغضب بالدخول في زوابع دبلوماسية لا يرضى عنها الممولون. وقد دفعت هي الأخرى ثمن عدم مجاراتها أفكار ومواقف التيار الإسلاموي بصفة عامة وتركيزها على قضايا الإرهاب والإرهابيين بما تعرّضت له فرقها وطواقمها في قطاع غزّة في أكثر من مناسبة.
المجموعة الرابعة : وتمثلها القنوات الدينية وما ينجم عنها من قنوات فرعية تمارس التدجيل وتستغل ضعف النفوس ويأسها في تسويق قراءات متناقضة أحيانا للتراث الديني. ذلك اليأس الذي ولّده الإصرار على إقحام الدين في ساحة الصراع السياسي باعتباره مصدرا تستقى منه البرامج السياسية متصفة بصفته الرئيسية المتمثلة في كونه يقدّم مجموعة من الثوابت جامعة بنية أن تكون البرامج السياسية الدينية مصدر جمع للمؤيدين في وجه الطرح السياسي السليم الذي يقرّ بأن عامل الجمع في البرنامج السياسية يجب أن يكون الإقرار بالاختلاف والإيمان بنجاعة وفائدة العمل النسبي المشترك بغية تحقيق أهداف متباينة أحيانا واعتبار الدين وممارسته مسألة خصوصية تدخل ضمن تثبيت حريّة المعتقد وممارسة الشعائر على اختلافها.
تلك المحاولة على الالتفاف على الدين وما ولّدته من محاربة رسمية ودولية للدين ولما تعلّق به من أطروحات في العالم العربي فتحت آفاقا رحبة للدجالين من خلالها يستفردون بشرائح واسعة يطبّبونها أحيانا ويوهمونها أحيانا أخرى بتحقيق أحلامها في بلوغ الجنة والنعيم تماما كما يفعل دجالون في السياسة على وسائل الإعلام الأخرى بتوزيع مفاتيح الجنّة عبر مصطلحات المقاومة والجهاد والاستشهاد.
المجموعة الخامسة : وتمثلها قنوات الميوعة بمعناها الواسع من قنوات الدردشة عبر الشبكة العنكبوتية وما تساهم به من تحطيم لقواعد اللغة العربية والتراث وتخطّي الحواجز الأخلاقية بحصانة الأسماء المستعارة، وقنوات الرقص والغناء على مدار الساعة وما تسوّق من كليبات الأصوات الإلكترونية ومشاهد العراء المثير للغرائز بدرجة تروّج على الأرجح للدعارة والانحلال الأخلاقي.
وهي مجموعة يمكن القول عنها إنها محصّلة لأسقام المجتمع التي يولّدها الجو السائد من الانسداد في الأفق السياسي وتحييد للدور الذي يجب أن يلعبه الدين ببسطه حلّة قيم فاضلة على المجتمع بموجبها يتربى الفرد منذ نعومة أظافره على إدراك ما يصلح أن يكون سلوكا اجتماعيا حسنا يفخر المرء بإظهاره وما لا يؤتى من الرذائل والسفالات يُخجل الاتصاف به.
إن وفّق ما تقدّم في رسم خريطة ذات معالم تقترب إلى حد ما من فهم واقع الإعلام العربي على النمط الذي عليه حاله في بداية القرن الواحد والعشرين، يكون أساسا عليه يمكن بناء فكرة أن الإعلام في العالم العربي جدير بالاسم من حيث شكله بتنوعه وإمكاناته غير أنه مضمونا يحتاج كي يكون إعلاما حقيقيا الكثير من العمل باتجاه فهم الرسالة الإعلامية وقواعد ممارستها التي تجعل الإعلامي إعلاميّ لا غير.


زيني محمد الأمين عبّاس 
21 جوان 2007
إرسال تعليق