الاثنين، 23 يوليو، 2007

حماس : قربان أنظمة مغامرة

لا يفيد كثيرا البحث عن تفاصيل ما حدث في قطاع غزّة خلال نهاية الأسبوع الثاني من شهر جوان 2007 أمام النتيجة الأكيدة للعمليات القتالية والمتمثلة في السيطرة الفعلية عسكريّا لحركة حماس على زمام الأمور في القطاع وتصفيّتها كل من تمكّنت منه من كوادر حركة فتح ومقاتليها، بقدرما يفيد البحث عن الأسباب والدوافع التي آلت بالوضع إلى ما هو عليه اليوم منذ وصول حركة حماس عبر صناديق الاقتراع إلى تحمّل مسؤولية إدارة شؤون الفلسطينيين في أراضي السلطة.
وفهم مثل هذا اللغز يكمن في قبول وتقبّل فكرة أن حركة حماس لا تحمل في بذورها جذور الديمقراطية كفكر يقوم على الإيمان بالاختلاف في الرأي والتعددية رغم أنها تنادي باحترام الديمقراطية التي تقف في نظرها عند حدّ أنها هي الخيار الديمقراطي المطلق للشعب الفلسطيني بغض النظر عن الظروف التي بموجبها تولّت أمره وبغضّ النظر أيضا عمّا إذا كان الهدف الذي من أجله تولّت حماس أمر الشعب الفلسطيني قابل للتحقيق بفكر حماس أو يقتضي تحقيقه من هذه الحركة الليونة في المواقف ومراجعة الأطروحات والأفكار التي ما فتئت حماس وغيرها من الحركات الإسلاموية تطرحها كشعارات وتكرّرها لدرجة يصبح تكرارها منطلقا لتصبح مبادئ لا يرقى إلى مستوى الإيمان بها والتمسك بها الشك.
صحيح أن حركة حماس جاءت للسلطة في أراضي السلطة الفلسطينية عبر صناديق الاقتراع، لكن صحيح أيضا أن الشعب الفلسطيني فوضها تسيير شؤونه لا تعطيلها بحجة أنها صاحبة برنامج لا تتضح معالمه إلا لها هي وحدها وحتى افتراض أن برنامجها واضح المعالم لا يلغي حقيقة أن توفّر شروط تطبيقه يتناقض مع حاجات وضرورات تسيير شؤون الشعب الفلسطيني. تلك الشؤون لا تحتمل انتظار تغيّر مواقف من لا تتعطّل شؤونهم بثبات حماس على مواقفها.
وصحيح أيضا أن حماس ما كانت لتأتي للسلطة، بل ما كانت لتشارك في الانتخابات أصلا لو كانت معايير المشاركة مشروطة بتوفّر ميزات ديمقراطية المبادئ والبرامج السياسية.
صحيح كذلك أن الغرب بصفة عامة قبل بحماس في السلطة من منطلق إيمانه بمبدإ احترام خيارات الشعوب على افتراض أن تلك الخيارات تمت في ظروف عادية جديرة نتائجها بالاحترام، لكن قبوله بواقع حال الفلسطينيين تحت سلطة حماس لا يلغي حقّه في أن يكون صاحب موقف مغاير لما تراه حماس وتطرحه من أفكار، وقبوله وشهادته المنافقة بنزاهة الانتخابات ليس أمرا ملزما بالتعامل مع حماس وفق ما يطيب لها من مواقف تراها متماشية مع ضرورة احترام خيار الشعب الفلسطيني. وهذا ما لا ينفذ إليه العقل العربي عموما والحماسي بصفة خاصة، إذ إدراك أن الغرب صاحب مبادئ ثابتة تملي عليه عدم التعامل مع حماس أمر يحتاج إلى إدراك معنى المبادئ وقيمتها أولا ومكانتها في تحديد المواقف التي تتماشى مع الإيمان بالتعددية والمخالفة في الرأي والممارسة السلمية للعمل السياسي. ومجاملة حماس ووصولها للسلطة لم تكن سوى رهان خاسر من الغرب على أن حماس في السلطة ستكون غير حماس في الخفاء مما سيشكل منطلقا جديدا وجديّا لحل النزاع القائم من منطلق فهم الغرب للسياسة وممارستها وما تقتضيه من مرونة وسلاسة في التعامل مع الأمور.
والغرب في تعامله مع قضايا الشرق الأوسط ينقسم إلى قسمين أحدهما الولايات المتحدة الأمريكية التي تعرف جيدا ما هي حماس وما هي الحركات الإسلاموية عموما، لأنها هي اليد الخفية التي تحرّك وتدير وتقرّر برامج مثل تلك الحركات بما يتماشى مع مصالحها ومصالح حليفتها الأبدية في المنطقة. لذلك لم تكن مواقف الولايات المتحدة متناغمة مع مواقف غيرها من الدول الغربية من وصول حماس للسلطة ولم تكن منافقة بنفس درجة الدول الغربية الأخرى لأنها تدرك تماما أن عداء تلك الحركات لها ولحليفتها هو الركيزة الأساسية للبرامج السياسية وتعمل على أن يظلّ الأمر على ذلك الحال وتدعيم ذلك التوجّه هو الغاية التي تضمن تحقيق ما ترمي إليه من أهداف.
فالذي لا تفهمه حماس ومن يدور في فلكها من العرب والفلسطينيين هو أن السياسة عمل نسبي بموجبه يتم التعامل مع قضايا شائكة في معظم الأحيان كحال القضية الفلسطينية وبه تذلّل الصعاب ويتحقّق قدر – ولو يسير – من الفائدة للشعوب، وإن لم تتحقّق الفائدة يتحقّق الاستقرار والأمن على الأرواح والممتلكات على الأقل. والسياسة بهذا المعنى تنافي الشعارات والإيمان الراسخ بالحقوق التاريخية، تلك الحقوق التي لا يستطيع أحد إنكارها لكن بين امتلاك مجرّد البراعة في ترديدها والبكاء على أطلالها وامتلاك القدرة العملية على التقدم – ولو لخطوة واحدة – على طريق تحقيق الطموح في استردادها تبقى الهوة كبيرة.
والهدف الأجدر بالتحقيق – في نظري – في الوقت الراهن يتمثل في سعي الفلسطينيين للكف عن اعتبار قضيتهم قضية العرب والمسلمين بصفة عامة والكفّ أيضا عن التعويل على مجهود الأمة جمعاء في استرجاع حقوقهم أو الجزء منها الذي يعتبرون أنفسهم، بتحقيقه حققوا النصر على العدو. فانتظار مجهودات العرب لا يفيد قضيتهم إلا بما يعانون منه اليوم جرّاء ركوب النظام السوري لهم مطيّة بهدف تصفية حساباته الوهمية مع إسرائيل. تلك الحسابات التي يمتلك عمليا أسباب تصفيتها بما له عندها من ثأر أقلّه احتلالها هضبة الجولان منذ أكثر من أربعين سنة وتهديدها الدائم لأمنه من خلال طلعات مقاتلاتها التي بلغت حدّ الاستعراض بمغازلة الرئيس السوري في منتجعه باللاذقية. كل ذلك وسوريا تجعل من قضية فلسطين ورقة تديرها عبر أذرع حركة حماس والجبهة الشعبية القيادة العامة وفتح الانتفاضة.... وقد برز ذلك جليا مؤخرا من خلال الزج بحماس في ركن مهمل بتأليبها لتسيطر على قطاع غزّة بالقوة من أجل فرض أولوية الملف الفلسطيني على جدول أعمال اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي طالب به لبنان لبحث تداعيات وآثار التدخل السوري في شؤونه وما أصبح يثيره من استياء في الأوساط العربية والدولية.
ولسائل أن يتساءل هنا عن النتائج التي يمكن أن تجنيها حماس والقضية الفلسطينية من ذلك الحسم العسكري أكثر من الهدف السوري الذي تحقّق بالفعل إلى حين؟
أليست القيادة الميدانية لحماس في قطاع غزّة الآن محرجة بعد تسرّعها في تنفيذ أوامر القيادة السياسية للحركة في دمشق ؟
إذا لم تكن نداءات حماس وعرضها قبول وساطة أي كان لحلّ أزمة الوضع الذي ابتليت به بالتفاوض وتأكيدها على التفاوض وسيلة وحيدة للحل واستعدادها له دليل على إحراج واضح فما معنى الإحراج إذن؟
ما سرّ الاهتمام الزائد لحركة حماس بالإفراج عن الصحفي البريطاني المختطف وتهديدها خاطفيه، بل واعتقالها بعضهم إذا لم يكن ذلك في إطار محاولة التعلق بقشّة وسط أمواج بحر وضع قطاع غزّة الهائج؟
حماس – حسب اعتقادي – استدرجت بطمعها الزائد في السند والحماية وهوايتها في ممارسة العمل السياسي إلى أن تكون مجرّد قربان يقدّمه كل من النظامين السوري والإيراني للمجتمع الدولي كورقة مساومة دالّة على قدرتهما – المبالغ فيها ربّما – على التلاعب بالأمن والاستقرار في المنطقة بداية من العراق وصولا إلى لبنان مرورا بالأراضي الفلسطينية المحتلّة، خاصة وأن كلا من النظامين لا ينفذ بالعقل والتعقّل إلى إدراك حقيقة أن مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة ضمان الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب في المنطقة عموما وأمن إسرائيل بصفة خاصة كثمن للسلام ما هي إلاّ مناورة خفية لاستدراج هذين النظامين لارتكاب مزيد الحماقات على غرار زعزعة أمن لبنان وفلسطين والمنطقة لتبرير ما تسعى إليه الولايات المتحدة من فرض سيطرتها الفعلية على المنطقة بأكملها.
فإسرائيل التي يجعل النظامان السوري والإيراني من معاداتها ومناهضتها جسرا لدغدغة مشاعر وعواطف العرب والمسلمين، قادرة على توفير أمنها بنفسها وإن لم تكن قادرة على توفيره وضمانه فهي قادرة على الدفاع عنه على الأقل وتمتلك من الوسائل ما يمكنها من ذلك، وهذا أمر تعلمه الولايات المتحدة الأمريكية جيدا والعالم من حولها ومن يعوّل على فرض نفسه وقدراته على إقناع الولايات المتحدة وإسرائيل بغير تلك الحقيقة يضيّع من جهوده ما لن يجد له عوضا عند بلوغ المواجهة لحظة الحسم.
ليست إسرائيل قطعا بمستوى الحاجة والضعف الذي يجعل أمنها مجرّد ورقة تساوم عليها أنظمة لا تعرف من أسباب توفير الأمن إلا ما به تستدرج وتدفع لزعزعة أمن الآخرين خدمة لحاجة في نفس يعقوب.


زيني محمد الأمين عبّاس 
03 جويلية 2007
إرسال تعليق