الأحد، 8 يوليو، 2007

الإرهاب في خليّة طبّية وماذا بعد؟؟

الإرهاب كلمة مثيرة للجدل حضاريّا وفي الوسط الدولي لدرجة جعلت من تحديد تعريفها معجميّا إشكالية كل فيها يغنّي على النغمة التي يطرب لها، فالوسط الحضاري المحتضن بالفكر وبالممارسة لهذه الظاهرة يجعل من عدم تحديد المفهوم حجّة للتلكؤ قبل البحث الجدّي الملزم له أخلاقيّا بمعالجتها ومحاولة القضاء عليها ويتحمّل الاكتواء بنارها من حين لآخر ويصبر على ذلك غالبا مادام أمله في أن تحديد المفهوم سيحمّل غيره المسؤولية عن خلق ورعاية وتطوير هده الظاهرة. وتجده يشير باستمرار إلى ضرورة الفصل بين "المقاومة" وحقّ الشعوب المستعمرة في محاربة الاستعمار وبين الإرهاب، ولا يولي أدنى اهتمام لخطورة ما يجري من عمليات تستهدف زهق أرواح المدنيين الأبرياء العزّل وهم يعيشون أحداث ومجريات حياتهم اليومية في الأماكن العامة أو في منازلهم.
وفي المقابل يتهرّب الطرف المستهدف من الخوض في غمار البحث للظاهرة عن تعريف وتحديد للمسؤوليات لإيمانه ووعيه بأن ما يقوم به خدمة لمصالحه في معظم الأحيان لا تصلح مشروعية خدمة المصالح وحدها لتبريره كما لم تعد تصلح تبريرات ما يجري في الحروب عادة من أضرار جانبية المدنيون ضحيتها الأولى والأخيرة وفاعليتها في مكافحة الإرهابيين مشكوك فيها طالما السجال ما يزال متواصلا بالعمليات والعمليات المضادة بينه وبين من يصفهم بالإرهابيين لدرجة يكاد المتعقّل يشكّ في أن كلا من الطرفين متآمر لمصلحة الطرف الآخر على الضحايا الحقيقيين لعمليات كل منهما.
والتعريف في النهاية – ومهما تهرّب كل طرف من عبإ البحث عنه – يكاد يكون مرادفا لتعريف علامة الحرف بأن لا علامة له، أي أن عدم تعريف الإرهاب إرهاب في حدّ ذاته ليبقى الأمر هلاميا ممتنعا عن التحديد، والأبواب مفتوحة تُكال منها التهم في الزمان والمكان المناسبين لكل على هواه.
والإرهاب حكما هو كل العمليات التي تستهدف زهق أرواح الناس دون وجه حقّ لمجرّد تصوّر أن استباحة أرواحهم ستكون عامل ضغط على طرف بين الفاعل وبينه خلاف أو أن ما سيولّده ذلك الاستهداف من خلط للأوراق والفوضى عامل ضغط نفسي على الفاعلين في الحياة العامّة يُحتمل أن يدفعهم إلى اتخاذ قرارات مخالفة لما تمليه عليهم خدمة مصالح شعوبهم.
ومهما تهرّب هؤلاء وألئك من مسألة تعريف الإرهاب تبقى الشواهد والدلائل على أن هذه الظاهرة مظهر من مظاهر انعدام حضور الوعي بالقيم والمبادئ النبيلة للحضارة البشرية بشكل عام والحضارة العربية الإسلامية بشكل خاص، إذ – والحق يقال – أنماط التفكير العربي الإسلامي المتعدّدة والمتناقضة أحيانا تشكّل العشّ الذي ولدت وترعرعت فيه هذه الظاهرة وما يزال انزلاقها في أعماق الظلام والضبابية مستمرا يوما بعد يوم.
ولا أدل على ذلك مما شهده تطوّر هذه الظاهرة منذ بداية القرن الواحد والعشرين من إقدام أناس على درجات عالية أحيانا من التعلّم وتوفّر أسباب القدرة على إدراك معاني وقيم الحياة الدنيوية وتقديرها على القيام بأعمال ضحيتها الأولى القيم والمبادئ التي يعتبرون أنفسهم مدافعين عنها حامين لها حجتهم في ذلك عداؤهم للآخر وقناعتهم الراسخة بمسئوليته عن ما تعانيه مجتمعاتهم من أزمات تفكيرهم مظهرها الأول.
وآخر ما صدر في المجال الخلية الطبية في العاصمة البريطانية التي تتكوّن من مجموعة من الأطباء في معظمهم من أصول عربية أو مسلمة ضاقت بهم مجتمعاتهم من حيث عدم قدرتها على توفير مواطن شغل تليق بمستوياتهم أو من حيث انعدام ظروف الأمن والاستقرار بها ووجدوا في أزمات المجتمعات الغربية السكانية ملاذا آمنا من الفقر والبطالة وضيق آفاق وسبل تحقيق الحياة الكريمة في بلدانهم بأن تجاوزوا العوائق التي تفرضها تلك المجتمعات على المهاجرين بشهاداتهم وحاجتها لهم لتقديم الخدمات الطبية في كبريات المستشفيات والمراكز الصحية والمخابر الطبية وما يترتّب عن ذلك من ظروف تجسيد مظاهر ومعاني النجاح والشهرة، تلك الشهرة التي حرصوا – على ما يبدو – لبلوغها لكن من خلال عمليات دمويّة استعراضية منافية تماما لأهداف المهنة التي من أجلها كرّست الإنسانية مجهوداتها لتكوينهم.
فالطبيب في عرف البشر هو الشخص الذي يسعى بما علم وخبر دائما إلى إنقاذ الأرواح أينما كانت ومهما كانت الظروف التي تحيط باعتلالها لا أن يسعى بنفسه لإيذائها، يخلّ برسالته أن يكون صاحب موقف ممن هو في حاجة للمساعدة حتى وإن كان مكتتبا في إطار وحدة عسكرية مقاتلة والمحتاج للمساعدة جريح أسير من العدو. فعندما يستخدم الطبيب صفة المؤتمن على الحياة ورعايتها غطاء للإعداد لأعمال تلحق الضرر بالبشر ومع سبق الإصرار والترصّد تكون الحضارة البشرية قد فشلت في زرع معاني القيم والمبادئ من الأساس.
وأيّ فكر يدّعي أنه يمتّ إلى الإنسانية بصلة لا يمكن أن يقبل للإنسانية مثل هذا الفشل في الإعداد والتنظير، كما لا يمكن أن يستسيغ مشروعيّة أية دعوى أخرى بصلة ذاك الفشل من قريب أو من بعيد باتباع أو بتطبيق تعاليم دينية إلهية خاصة تعاليم الدين الإسلامي الحنيف المقرّة بحريّة المعتقد وحرية الاختلاف والمكرّسة للوسطيّة والتسامح والاعتدال والنابذة للتطرّف، فالله خالق الكون والعباد وواضع الأسس التي تقوم عليها العلاقات البشرية السليمة من خلال تعاليم الديانات السماوية والمنظومة الأخلاقية التي يترتّب بناؤها والتحلّي بها على التقيّد بتلك التعاليم، لم يجعل لبشر على آخر من سبيل في استباحة روحه دون وجه حقّ بيّن وفي إطار حكم مستند على قوانين واضحة تحمي كلاّ منهما.
واللاّفت للنظر في ممارسات المتطرفين الإسلامويين عدم وعيهم – على ما يبدو – بعواقب الأعمال التي يخطّطون لها وينجحون أحيانا في تنفيذها والتناقض الواضح بين تلك النتائج وما يزعمون من مبررات دفاعهم عن الدين الإسلامي والمسلمين ووقوفهم في وجه أعدائه وأعداء المسلمين بالمرصاد.
فلو سلّمنا بأن عداء الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها في الشرق الأوسط عموما سبب يجيز القيام باستهداف برجي التجارة العالمية واعتبار ذلك الاستهداف نجح في إذلالها بإصابتها على حين غفلة في عقر دارها متجاهلين كل ما صاحب ذلك الاستهداف من استباحة مجانية لأرواح الناس على اختلاف انتماءاتهم نكون في حاجة إلى أن يكون مصيرنا كمصير منفذّي تلك الهجمات حتى لا ندرك المكاسب التي حقّقتها الولايات المتحدة الأمريكية عقب العملية، وأقلّها الربط الآليّ بين الإسلام عموما والمتشدّدين الإسلامويين خصوصا وبين الإرهاب، زد على ذلك المكاسب العملية متمثّلة في احتلال أفغانستان وتأمين ممرّ آمن لخامات نفط بحر قزوين بعد انقلاب السلطات الإيرانية على اتفاق مدّ خطوط الأنابيب الناقلة لذلك النفط عبر أراضيها إضافة إلى فرصة تجسيد حقيقة تحجيم دور الاتحاد السوفيتي السابق وتكريس واقع الولايات المتحدة الأمريكية قوة عالمية وحيدة تستطيع بقرارها وقرارها وحده النيل من أي مجموعة بشرية على وجه الكرة الأرضية خدمة لمصالحها أو بحجّة مكافحة الإرهاب، وهو ما جرّبه العراق والصومال ويخافه كل من السودان وسوريا وإيران، وغير ذلك من النتائج الكثير.
وعلى سلّم أوسع تشكّل حجج الاحتراز من الأعمال الإرهابية ذريعة بموجبها تقيّد الحريات في المجتمعات الغربية التي كانت معروفة بإيمانها المطلق باحترام حريات الناس ومعتقداتهم وهو الأمر الذي بموجبه فرّخت الجماعات الإسلاموية في عواصم الدول الكبرى ونالت كل الحظوة من قوانين اللجوء السياسي وحرية التعبير وكادت تصل – هي وغيرها من حركات المعارضة المختلفة للأنظمة في دول العالم الثالث - إلى هدف تضييق الخناق على أشكال الاستفراد بالسلطة والضغط في اتجاه إصلاح أوضاع الشعوب، وهو الأمر الذي أصبح في حكم الحلم صعب المنال في ظلّ التقاء مصالح الدول الكبرى والعديد من الأنظمة التي حاربت المد الإسلاموي وكل من عارضها في فترات سابقة من منطلق حماية مصالحها الضيقة لا غير.
من هنا بات التهديد واضحا بتراجع اعتبار الحريات بمختلف أنواعها مكسبا بشريا بموجبه تصان حقوق الأفراد وحقوق المجموعات، وليست فضائح السجون السرية التي تديرها المخابرات الأمريكية بالتعاون مع جميع حكومات ومخابرات الدول الأخرى سوى منطلق لنمط معاملات جديدة تنتهك بموجبها حقوق الإنسان عموما والمسلم بشكل خاص بحجة حماية مصالح البشرية متنكّرة في ثوب مصالح ضيقة لهذه الدولة أو تلك كل حسب قدرته ومدى اتساع نفوذه.
ولو اقتصرنا في دراسة العواقب التي قد يولّدها عمل الجماعات الإسلاموية المتطرفة غير المحسوب على خليّة الأطباء الأخيرة في بريطانيا لتوصّلنا إلى صورة قاتمة مفادها احتمال انعدام الثقة في أصحاب الشهادات العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية وما سيولّده ذلك من فصل المزاولين منهم وترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية بعلّة أو بغيرها وغلق للأبواب في وجه الطامحين إلى دخول سوق الشغل في تلك المجتمعات. وهي أقلّ الإجراءات الاحترازية التي يفترض أن يقوم بها القيّمون على تسيير شؤون تلك المجتمعات والمؤتمنون على سلامتها طالما بات سعيّ الطبيب العربي والمسلم إلى قتل الناس حقيقة واحتمال أن يفجّر المعلّم أو الأستاذ نفسه في قاعة الدرس لمجرّد كونه عربيّا أو مسلما وسط تلامذة أو طلبة غربيين، دافعه الوحيد إلى ذلك عداؤه لسياسات الولايات المتحدة أو بريطانيا أو غيرهما من الدول الغربية الأخرى ورغبته وتبنّيه لوهم أن استدراج جميع كاميراهات العالم إلى أشلاء جسده وإياهم في قلب نيويورك أو لندن أمر مهين لجورج بوش أو قولدون بواون وسيمجّده ويتفاخر به أيمن الظواهري.


زيني محمد الأمين عبّاس 
08 جويلية 2007
إرسال تعليق