الأحد، 19 أغسطس 2007

الدّين والسياسة : زواج بعقد طلاق

الدّين كما سبقت الإشارة في مناسبة سابقة هو مجموعة الماورائيات التي تشكّل الثقل في الميزان الذي تتأرجح عليه النفس البشرية في الوجود وعليه تبرز كل نقاط ضعفها، وهو منظومة من الثوابت والمبادئ والمقدسات قد يكون مصدرها سماويا متعاليا أو بشريا من صنع ملكات البشر من قبيل الاعتقاد والإيمان والتسليم، وتشترك الأديان على اختلاف مصادرها بالضرورة في منطلق التسليم بأن مصدر المنظومة الدينية هو المسؤول عن خلق وتنظيم الكون وعليه تلقي النفس البشرية أعباءها وتعلّق أملها في تخفيف همومها وآلامها وهواجسها في الدنيا وتطمع في تحقيق راحة نفسها وسعادتها في الآخرة.
وهو بهذا المفهوم يرمي في الأساس إلى تحقيق نوع من التوازن النفسي للفرد ومن خلاله للمجموعة، ذلك التوازن ضروري كي يتمكّن الكائن البشري من تجاوز المخاوف التي تولّدها قدرته على إدراك أنه خلق بغير إرادته وأنه لا يتحكّم تماما في مصيره في هذا الوجود إن من حيث قدرته المحدودة على فهم كنه محيطه أو من حيث عجزه عن الإحاطة بما قد يتعرّض له من مخاطر في المحيط الذي يشكّل الجهل بمستقبل حاله القاعدة التي يفرضها تفرّد الخالق بعلم الغيب المحجوب بالزمان والمكان معا. وهي مخاوف تزداد بانفراد المخلوق البشري دون غيره من المخلوقات الأخرى بملكة العقل وما تعطيه من قدرة على إدراك أن له مصيرا محتوما يعلم نتيجته المتمثلة في حصريّة تلازم وصفه بضمير الغائب على الدوام بعد أن كانت حريّة الوصف تتأرجح بين ضمائر المتكلّم والمخاطب بالحضور أو الغائب في حالات التواري عن مسرح الأحداث التي تخصّه بالذكر.
والعقل عند البشر مدعاة للمسؤولية والمسؤولية منطلق التكليف والتكليف شرط بداية الخطاب الديني. ومن هنا يمكن فهم تنزّل المسألة الدينية ضمن باب حريّة الرفض أو القبول لفكرة التديّن، ومبدءا القبول أو الرفض يقرّهما الطرح الديني نفسه على اعتبار أن ملكة العقل تمكّن البشر من إدراك ما يترتّب على قبول أو رفض المنظومة الدينية من فوائد ومنافع ومضارٍّ حاضرة أو مؤجّلة.
فالدّين والتديّن غير إلزاميان بعد حصول العلم بالرسالة الدينية – إن كانت سماوية – بدليل امتناع الأنبياء والرسل عن إكراه الناس على اتّباع رسالاتهم واكتفائهم باتباع أساليب الترغيب والترهيب وفق ما يرسم لهم من مناهج وطرق معاملات وسلوكيات تدعم طريق الترغيب خيارا أفضل وتأكّد تلازم أساليب الترهيب بالتذكير بالمسؤولية.
أما السياسة فهي المنهج والأسلوب الوضعي الذي من خلاله تسيّر أمور المجتمعات البشرية بناءً على مجموعة من المبادئ والقيم المرتكزة في الأساس على الإقرار بأحقيّة ومشروعيّة اختلاف الأفكار والآراء واعتبار الاختلاف عامل جمع للجهود والتوافق في أطر حزبيّة أو ائتلافية تروم تحقيق أهداف غايتها الوصول بالطرق السلمية وعبر استحقاقات انتخابية ظرفية للسلطة في مجموعة بشرية معيّنة وممارسة تلك السلطة لمدة زمنية محدودة.
والسلطة بمعناها الدقيق تفيد التكليف أكثر من دلالتها على التشريف الذي به تكون أقرب إلى مفهوم التسلّط والتحكّم في رقاب الناس منها لتحمّل عناء إنابتهم بالجهد لتحقيق مصالحهم ورعايتها بتطوّع وجديّة.
وإدارة البشر شؤونه لا تكون إلا في الحياة الدنيا والحياة الدنيا وحدها وبمعناها الضيق جدّا الذي يعني حتما الإطار الزمكاني الذي يكون فيه الإنسان قادرا على أن يكون فاعلا وصاحب المبادرة في سلوك الطرق والسبل والمناهج التي تحقّق الفائدة وتجنّب تحقيق ما خالفها من المخاطر والأضرار خلافا لمفهومها الواسع ورؤيتها من الزاوية الدينية التي تشمل ضرورة أن يفهم الإنسان الحياة الدنيا على أنها مطيّة للآخرة وفيها يجب العمل – إضافة إلى تحقيق النفع الآني – على إتيان ما من شأنه تجنيب عذاب الآخرة، وعذاب الآخرة – وأيا كانت النظرة إليه والموقف منه - أمر يحتمل التأجيل إذا تعلّق الأمر بالتعاطي مع إدارة شأن المجموعة خلافا لما عليه الحال بالنسبة للمستوى والاعتبار الفردي.
ومشروعية تشبّث الإنسان بضرورة الأخذ بزمام أموره في الحياة الدنيا نابعة من فهم مقصد العلاقة التي تربطه بالخالق. تلك العلاقة التي يعتبر الإنسان فيها حلقة ضعيفة محدّدة المهام، لكن ضعفها يحمل من أسباب ومعاني القوة ما يميّزها عن سائر المخلوقات بل ما يجعل جميع المخلوقات تقريبا مسخّرة لها، وليست فكرة الاستخلاف في الأرض إلا دليلا ساطعا على أن شأن الإنسان كبير عند خالقه لذلك حمّله المسؤولية وابتلاه بالعقل مدعاة لتحمّلها.
والعقل هو ما به يستطيع الإنسان التمييز بين ما هو خير ويجلب الخير في الدنيا وفي الآخرة وما هو شرّ لا تحمد عواقبه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإدراك الخير وطلبه والشر والعمل على تجنّبه هو مبدأ النفعية والنفعية هي محرّك العلاقة التي تربط الإنسان بخالقه.
بمعنى أن إدراك الإنسان أن له خالقا يتجاوزه في القدرة والإحاطة يحقّق أمّ الفوائد ممثلة في التوازن النفسي الذي يحصل بالقناعة بأن قدرة الخالق مطلقة وإرادته نافذة والإيمان بكل ذلك منطلق للاطمئنان والانصراف إلى طلب الفوائد من وراء ذلك الاطمئنان.
ومن هنا يتنزّل فهم مشروعية سعي الإنسان الفرد إلى القيام بكل ما به يتصوّر أن يحقّق النفع في الدنيا بالعمل على الكسب وتجنّب المخاطر وفي الآخرة بالأمل والتعويل على رحمة الخالق وكرمه. وحرّية الفرد في ذلك التصوّر غير مقيّدة غير أن القيود كلّها تتشابك عندما يتعلّق الأمر بالمجموعة فنفع المجموعة بالضرورة مسألة يجب أن تكون حاضرة وملموسة لكل فرد من أفرادها ولا تحتمل التعويل على تصوّرات وآمال كل فرد على حدة.
والنفع بالنسبة للمجموعة يكمن في حسن إدارة شؤونها وتجاوز كل ما من شأنه عدم حسم آليات إدارة تلك الشؤون بما يضمن الأمن والاستقرار والرضا سواءً من موقع المسؤولية المباشرة لتحمل عبئ الإدارة أو من موقع التبعية. من كلا الموقعين تكون الثقة في النصوص الوضعية المقرّة بناء على التوافق والتي يعبّر عنها بالقوانين هي الأرضية التي يلتقي عليها قبول المحقّق لرغبته في ممارسة السلطة وقبول المقتنع بعجزه عن تحقيق تلك الرغبة انطلاقا من إيمان كل منهما بأن تلك النصوص في الأساس متعالية وحيادية وهي الحكم الوحيد ضروري الإقرار كي يصبح الاختلاف متجاوزا وبناءً ومنطلقا لجمع الجهود.
وهي وضعية يتطلّب التوصل إليها وإقرارها وعي الجميع بقداسة حريّة الفرد في مجال خصوصياته – والمسألة الدينية أبرزها – وقداسة حريّة المجموعة في عدم التقيّد بحرفية خصوصيات كل فرد من أفرادها عندما يتعلّق الأمر بالبحث عن سبل تحقيق الوئام والتعايش والسلم الاجتماعي خاصة عندما يكون جزء من تلك الخصوصيات الفردية محكوما بخلفية غيبية غير خاضعة لإمكانية الإثبات عمليا في المجال الزمكاني المشترك الوحيد والمتمثل في الحياة الدنيا. وهو طرح صعب التحقيق في الواقع عندما تكون الحرية الفردية محل تصادم مع الحرية الجماعية حتى لو تمّ إقرار المبدأ القائل بأن حدود حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخرين لأن أنانية الفرد تدفعه دائما لتوسيع دائرة حدود حريّته باستمرار. والسبيل الوحيد للتوفيق بين الضرورتين هو إنهاء حالة التصادم أولا بالفصل بين مجال ممارسة الحرية الفردية ومجال ممارسة الحرية الجماعية، بمعنى الإقرار بمطلقيّة حرّية الفرد في الإيمان والاعتقاد والممارسة لما يراه مناسبا أو لما تمليه عليه تعاليم دينية بعينها من طقوس وثوابت طالما توفّرت له القناعة بأن تلك الممارسات وتلك الطقوس باب لتحقيق النفع الحاضر أو المؤجل والاكتفاء عندما يتعلّق الأمر بالحياة الجماعية بالتعويل على أن ممارسة الفرد لتلك التعاليم وإيمانه بتلك الثوابت والمبادئ مدعاة لترسيخ سلوكيات وأساليب معاملة فاضلة فيه كما تدعو إلى ذلك التعاليم الدينية على الأقل، وهو أمر يؤدّي في النهاية إلى إضفاء حلّة جماعية مساعدة تعرف بالأخلاق.
فالحياة الجماعية لا تحتمل التعويل على التمنيات والطمع في الغيبيات كما لو كانت قابلة لأن تكون أرضية مناسبة يبنى عليها حسم ما بات حسمه أكيدا وضروريا. لأن تلك الأطماع والتمنيات بالتجربة أساس صلب لمزايدات الأفراد بعضهم على بعض والمزايدات غطاء مناسب لرغبة فطرية عند الإنسان في تحقيق مصالح شخصية دفينة.
فكل ما هو جماعي ضروري العلم والحسبان والوضوح ووضوح جديّته في السعي لتحقيق مصلحة ظاهرة ومبرّرة هو الضامن الوحيد لتجنّب منطق المزايدة وإقرار نسبيّة إرادة العمل على تحقيق تلك المصلحة منذ البداية هو الحصانة من عقبات قد تترتّب على فشل محتمل، وهي حصانة مشروعة عند فهم ممارسة المسؤولية في إطارها الأوحد الدّال على معناها الصحيح والنّابع من منطلقي التطوّع والتكليف.
ممّا تقدّم يصبح الاستنتاج بضرورة الفصل بين الدين والفكر الديني والسياسة تنظيرا وممارسة، مشروعا انطلاقا من تصوّر أن ذلك الفصل مدخل لاحترام خصوصيات ومقاصد كل من الدين ومن السياسة وهو فصل يصلح لأن يكون بداية أو أساسا تتركّز عليه إرادة جادة نحو العمل على بداية نهضة ضرورية للحضارة العربية الإسلامية التي بات من الأكيد أنها تتخبّط في فترة انحطاط وضبابية شبيهة إلى حدّ كبير بما عاشه العالم الغربي المسيحي في عصور الظلام إثر سيطرة الفكر الديني على جميع جوانب الحياة الدنيوية واستفراده بكل المبادرات الرامية لتحقيق التقدّم.
والدعوة للفصل بين الدين والسياسة من منطلق فهم أن مصداقية الدين في ثوابته ومصداقية السياسة في طابعها المتحول هي إرادة للتأسيس لحركة أو تيار فكري يروم السعي إلى أن يكون مجال السياسة بالممارسة وبالتنظير هو الحياة الدنيا والحياة الدنيا وحدها بما تحتاجه من ضرورة الدقّة والضبط والحسبان وطلب المنفعة الخالصة والآنية أو متوقّعة التحقيق على المدى القصير دون الانزلاق في متاهة التنظير والتقاعس عن القيام بالواجبات تجاه المجموعة والتعويض عن ذاك التقاعس بالوعود بتحقيق مصلحة غيبية مؤجلة والمزايدة بادعاء الورع والاستقامة.....
هذا التيار الفكري أقترح له اسم الدنيوانية وهو بناء ومنهج فكري مكمّل للعلمانية من حيث الأهداف بسعيه لتوفير أفضل الظروف لتطوّر الحياة البشرية وتقديرها حقّ قدرها وفهمها في إطارها المادي الصحيح القابل للتشكيل وللتحوير وفق الحاجات والضرورات الآنية والمتوقعة بالتخطيط والإعداد المراعيان لاحتمالية النجاح والفشل واعتبار النجاح معيارا للنجاح وللاستمرارية والفشل وضعية ملزمة للتنازل وإفساح المجال. وهو طرح فكري يتجاوز العلمانية إجرائيا من زاوية قيامه على إدراك أن العقبة الكأداء في وجه إقلاع ونهوض الحضارة العربية الإسلامية أصبحت في التراكمات الفكرية النّاجمة عن القراءات المتعددة للمسألة الدينية خاصة منها تلك الرّامية لاستلهام برامج سياسية باعتبارها تبيّت منذ البداية نيّة اكتساب صفة الثبات التي تطبع معظم الطرح الديني لمضامينها انطلاقا من دعوى علاقتها بالدين الإسلامي الحنيف. وهي نيّة بعيدة كل البعد عن عدم الطلب والعفويّة طالما يلمس بما لا يخفى على ناظر أن جميع الأطروحات السياسية الإسلاموية تشترك في اعتبار ما تطرحه وتتبنّاه من أفكار يفترض أنها سياسية الطرح الديني المطلق وأقلّ الأدلة على سلامة هذه الملاحظة مبدأ الإسلامويين الشهير "الإسلام هو الحل" الذي يبرز إرادتهم الجلية في قطع الطريق على من يروم انتقادهم ومقارعتهم بالحجج والبراهين النسبية.
وأقل فوائد الفصل – في نظري – رفع الحواجز التي ولّدها صراع الإسلامويين والدولة المدنية في جميع المجتمعات العربية الإسلامية تقريبا بين المسلم بفطرته وبين ممارسته المشروعة لشعائر وطقوس ديانته، تلك الممارسة التي لا يروم من ورائها سوى المنفعة الأساس في علاقته مع خالقه وتوازنه النفسي الضروري لاستقامة حياته.

زيني محمد الأمين عبّاس 
19 أوت 2007
إرسال تعليق