الثلاثاء، 15 يناير 2008

موريتانيا : ولدت الديمقراطية وتعثّر نموّها

تكثر في هذه الأيام السجالات حول عزم كتلة المستقلين في البرلمان الموريتاني تأسيس حزب مازالت التكهنات باسمه تحوم حول شخص الرئيس المنتخب بالدعم تارة وبالنسبة تارة أخرى، ذلك الرئيس الذي يميل بعض المعارضين – عن جهل ربّما – إلى الإصرار على أنه ما يزال المرشح سيدي ولد الشيخ عبد الله بدلا من رئيس الجمهورية رغم أن مرحلة الترشح والفوز قارب على مضيها ردح من الزمن ومصداقية كل ذلك مشهود بها داخليا وخارجيا.
وأيا كانت مواقف العازمين إنشاء هذا الحزب ومؤيديه والمتوجسين خيفة من مخاطر يٌجهدون عقولهم لتصوّرها لإنشائه على الحياة السياسية في البلاد، فإن ما يثير الاهتمام هاهنا هو ما يبرز في الموضوع من أعراض تعثّر الديمقراطية الموريتانية الوليدة، تلك الأعراض التي شكّل الترخيص للأحزاب السياسية بالجملة مظهرها الأول قبل فترة غير بعيدة بدلا من السعي لإعادة تشكيل الخريطة السياسية على النحو الذي تولد معه أحزاب سياسية جديرة بالصفة، قائمة على أسس متينة قوامها برامج سياسية نابعة من رؤى واضحة للعمل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي تستطيع اكتساب قواعد شعبية عريضة تمكنها من التطلّع لأن تكون البديل في المستقبل لنمط الحكم القائم.
ذلك النمط الذي تصرّ المعارضة والمشكّكون من حولها على نعته بأنه نظام ما قبل انقلاب الثالث من أغسطس 2005 في ثوب مستقل، وهو وصف قد لا يخلو من نزر من الصحّة غير أنّ طلب صحّة تلك الصفة جاء من قبيل الصدفة إذ أن المعارضة اكتشفت الأمر وهي هاربة من قبول حقيقة عجزها المفضوح عن إقناع الشعب الموريتاني بتفويضها تسيير شؤونه بعد الإطاحة بنظام ما قبل الثالث من أغسطس وكل ما تلاه من مخاض أنجب الوضع الحالي. وعجز المعارضة هذا يفتح باب الشك في أن الاتهامات التي كانت تلك المعارضة نفسها تنعت بها ذلك النظام غريمها قبل وبعد سقوطه من قبيل إتباعه أساليب التزوير وسياسات تهميشها وسوء التصرّف لم تكن سوى مجرّد اتهامات لا أدلة دامغة على صحّتها أو لم توظّف الأدلة – إن وجدت – بشكل صحيح لإقناع الناخب الموريتاني بطيّ صفحة نمط الحكم ذاك وهو أمر يدلّل على عدم الحنكة السياسية اللازمة لتحمّل المسؤولية.
والإشارة هنا لازمة إلى أن إبراز مساوئ أساليب ومناهج العمل السياسي المعارض الموريتاني في فترتي ما قبل وما بعد الثالث من أغسطس ليس من منطلق الرغبة في تقديم شهادة في البراءة لذلك النظام بقدرما هو محاولة لقراءة واقع حال المناخ السياسي بعين موضوعية.
والأخطر – في نظري – في موضوع التراخيص للأحزاب السياسية هو تضمنها ترخيصا لحزب يدّعي أو يعرف بتوجّهه الإسلاموي في بلد الإسلام دينه الرسمي وأحد أكبر عناوين جمهوريته ويكاد يكون عامل وحدته الوحيد، علاوة على أن مزيد التحزّب مناف لأهداف ومقاصد الأحزاب نفسها التي هي ضمنا مسعى لجمع أكبر عدد ممكن من سكان بلد لا يتجاوز سكانه على أكبر تقدير أربعة ملايين نسمة معظمهم دون سنّ التكليف الشرعي أو السياسي ويعاني من عدم الحسم الواضح بين الو لاءات القبلية والجهوية والوطنية بمعنى أن عدم فهم الموريتانيين لبيئتهم الاجتماعية وتجاوز العقبات التي تطرحها يشكّل عائقا في وجه جهود التحزّب والعمل السياسي.
ولن تحمل العودة إلى نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الماضية إلا تأكيدا لما أثرته آنذاك في مقال بعنوان "الديمقراطية الموريتانية : اقتراح ضوابط الترشح للرئاسة" من مساوئ للخريطة السياسية الموريتانية واقتراحات لضرورة أن تنصبّ جهود المشرعين نحو صياغة النصوص التي من شأنها تدعيم حماية ثقة الناخب الموريتاني من كل طامع لا يتسلّح بدواعي الثقة همّه الوحيد الظهور على ساحة العمل السياسي ولو بإحراج كبير.
إن استنكارات المعارضة المتعالية بها الأصوات والمحذرة على قلب رجل واحد من العودة بموريتانيا إلى زمن ما قبل الانقلاب الأخير نابعة من نزعة تفرّدية دفينة هي نفسها التي نبعت منها أصوات منادية بمنع الترشّح خارج الأطر الحزبية في الفترة الانتقالية، وهي نزعة تنبؤ بظنّ القوى المعارضة أنها خيار مطلق وحيد محكوم به على الشعب الموريتاني لا يمكن أن يكون التمثيل إلا منه أو إليه يعود.
وفي المقابل يشكّل تقوقع قوى المستقلين حول فكرة جامعة واحدة متمثلة في دعم الرئيس المنتخب كي تضمن بذلك تمكّنه وحكومته من تنفيذ برنامجه الانتخابي دليلا على غياب عوامل مشتركة أخرى أساس شرط لنجاح أي تكتّل سياسي يستطيع الصمود وتشكيل قوة قادرة على الاستمرار في إدارة شؤون البلاد. وهي خاصية لا تستشفّ منها العودة إلى نظام قديم جديد فحسب – كما تتخوّف المعارضة – وإنما إدخال موريتانيا من نافذة الدكتاتورية بعد أن خرجت من بابها الواسع حاملة الآمال في عدم العودة إلى زمن الرؤساء المصلحين أصحاب البرامج السياسية المتجددة والوعود الدائمة بأن فترة حكمهم القادمة هي النعيم الموعود وجنّة الخلود.
فكلا الفريقان يشتركان في ميزة إدراك الذات بالنسبة للآخر، فالمعارضة تتعرّف بضديّة النظام السابق وتصرّ على أنه ما يزال قائما أو وشيك العودة كي لا تتيه في تحديد ملامح جديدة لشخصيتها، والمستقلون يتعرّفون بأنهم الدّاعمون والمساندون للرئيس المنتخب كي يتفادون الخوض فيما قد يحملهم على التشرذم متجاهلين أن أفضل من يدعم رئيس الجمهورية هم الموريتانيون جميعهم وثقتهم في القانون على وجه الخصوص.
ومصدر جمع الأضداد هذا – في نظري – هو وحدة انتماء كل من الكتلتين للأمة العربية والإسلامية التي لا يكاد المتعقّل يلمس مقومات لشخصيتها خلاف عدائها للآخر الذي يطابق في زمننا الحالي الولايات المتحدة الأمريكية خاصة والغرب عموما وإسرائيل على الدوام.
وفي الختام أظن أفضل نصيحة تقدّم للفعاليات السياسية في موريتانيا بها يشتدّ عود ديمقراطيتها الفتية هي ضرورة فهم الديمقراطية بمفهوم أقرب إلى الواقعية وصدق النوايا على أنها ترسيخ سيادة القانون والثقة في أنه أفضل حاكم نيّر لا يحتاج استحقاقات انتخابية كي يدعمه هذا أو ذاك.

زيني محمد الأمين عبّاس 
15 جانفي 2008
إرسال تعليق