السبت، 5 يناير 2008

موريتانيا : ثمرة العفو والتسامح

أما وقد تأكّد اليوم أن انعكاسات الأحداث التي شهدتها أعياد الميلاد في نهاية سنة 2007 في موريتانيا امتدت إلى أبعد من مجرّد عمليّة سطو مسلّح انتهت بارتكاب جرم مريع في حقّ أسرة فرنسية كانت وكان المجتمع الموريتاني – بطبعه – يعتبرها آمنة تلك العملية التي لم تتوصّل التحقيقات بعد – حسب ما هو معلوم – إلى أبعد من حصر أضرارها كما لم تنجح السلطات الأمنية – رغم الجهود المشتركة لبلدان عدّة – في القبض على مرتكبي الجريمة. وفي نفس الإطار بات من المشروع أيضا وضع الاعتداء على ثكنة القلاوية في نفس السياق رغم أن ضحاياه من العسكريين واعتبار قرار إلغاء سباق رالي لشبونة داكار الدولي محصلة لذلك كلّه مما ينذر بانهيار جهود السلطات الموريتانية في بناء مجتمع مستقر وآمن يشكّل حلم كل العقلاء وترفضه وتسعى لمنع قيامه الجماعات الإرهابية.
أما والحال هذه يصبح التفكير في ضرورة معالجة القضية من جذورها أمرا مطروحا علّ ذلك يكون إسهاما في تجنيب موريتانيا مخاطر استمرار حال اعتبارها بؤرة غير آمنة بإيوائها لجماعات إرهابية تشكّل امتدادا للسلفية الجهادية تارة أو للقاعدة في بلاد المغرب العربي تارة أخرى وربّما لشبكة القاعدة ذاتها في المستقبل القريب.
وهي مخاوف لها ما يبررها منذ زمن ليس بالقريب بالنسبة للمتابع للسجل القضائي لبعض الأفراد والجماعات الإسلاموية التي كان نظام ما قبل تغيير الثالث من أغسطس قد تحفّظ عليها في السجون واستفادت من الأضواء الكاشفة التي سلّطتها على "قضيتها" وسائل إعلام عربية مأجورة الذمم للحركات الإسلاموية بشكل خاص دون غيرها من المتطلعين لممارسة العمل السياسي في البلدان العربية. وكلّنا نعلم نتيجة تلك الضغوط والحملة الإعلامية التي واجهها النظام الديمقراطي الموريتاني الوليد والذي لم يكن يستطيع مقاربة إشكال تلك الجماعات وأولئك الأفراد خارج توجّه ومساعي العفو والتسامح والوئام الوطني التي سادت وكان ينبغي أن تسود الساحة السياسية في تلك الفترة، فجاءت النتيجة بتبرئة العديد من العناصر من جرائم اغترفوها بالفعل أو كانوا يسعون لاغترافها وتمّ في النهاية تقييدها على حساب طبيعة تسلّط النظام السابق وتخبّط تصرفاته المدافعة عن بقائه لا عن شيء آخر. فشهدنا على شاشات الفضائيات العربية زغاريد منقبات غريبات على مجتمع صحراوي عربي مسلم عرف عبر الأزمنة والعصور باعتداله ووسطيّته وانفتاحه وتمسّكه بقيّم الرسالة المحمديّة كدين حنيف خال من كل أشكال التطرّف والانغلاق، تلك الزغاريد التي دوّى صداها في الحين عبر الأقمار الصناعية ابتهاجا بخروج من وصفوا بالأبرياء وبالمظلومين.
إضافة إلى ذلك جاءت قرارات السماح بإنشاء أحزاب سياسية جديدة في موريتانيا متضمنة ضوءا أخضر بإقامة حزب يتبنّى فكرا بمرجعية دينية محسوبا على التيار الإسلاموي وما يسمح به ذلك من إطلاق ضمنيّ للعنان لكل من يتخذون من تكفير الآخرين والجرأة على استباحة أرواحهم منهجا للعمل السياسي ويعتبرون ذلك جهادا في سبيل الله.
فشكّلت تداعيات كل ذلك أفضل غطاء للمجرمين المسرّحين من السجون كي يتحرّكوا بكل أريحية مترصدين الدوائر بكل من يعتبرونه هدفا سيشكّل استهدافه ضربة توجع الأنظمة الإمبريالية والصليبية كما تصفها مرجعياتهم الإعلامية ومعظم المتحدثين على شاشاتها، انتقاما للجرائم التي ترتكب في كل من العراق وفلسطين ولبنان...
والتفكير في ضرورة معالجة الحالة على النحو الذي وصفت عليه يبدأ – في نظري – بوضع إطار قانوني جديد في موريتانيا يجرّم بشكل صريح مجرّد الانتماء إلى فكر يثبت بالدليل أنه يتبنى استباحة أرواح الناس منهجا ويرفض إدانة استباحة النفس البشرية وقتلها خارج الأحكام القضائية المستوفية جميع الشروط القانونية للتنفيذ، ناهيك عن القيام بكل ما من شأنه زهق أرواح الآمنين بعلة السعي إلى تحقيق مكاسب سياسية مهما كانت الجهة المراد ابتزازها ومهما كانت الأهداف المبتغاة من وراء ذلك الفعل مشروعة أو مبرّرة.
والتجريم بالمعنى المنشود هنا يعني المستوى الذي تكون عقوبته بالنصّ الصريح الإعدام ولا شيء غيره علّ ذلك يشكّل رادعا لكل من يستهويه الزخم الإعلامي الذي حظيت به وتحظى به الجماعات والمنظمات الإرهابية ذات الصلة بالفكر الديني في وسائل الإعلام العربية المتعاطفة والدولية المتخوّفة خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
والاقتراح لمثل هذا الإطار القانوني نابع من فهم للقانون على أنّه مجموعة النصوص التي ترمي تحقيق مصلحة منظورة في مجتمع معيّن وصادرة عن هيئات تشريعية منتخبة وذات مصداقية تسهر على إيجاد الحلول الملائمة لكل ما يستجد في ذلك المجتمع من معضلات لا تجد حلولا بحجم خطرها على نمط العيش المشترك من خلال النصوص القائمة.
وهو حال موريتانيا من حيث أنها تكاد تنفرد من بين معظم دول العالم الثالث مثيلاتها بمؤسسات تشريعية منبثقة عن استحقاقات انتخابية شهد القاصي والداني بنزاهتها وسلامتها من كل الشوائب من جهة، ومن جهة أخرى بأن ما تواجهه هذه الدولة في الوقت الراهن من مشاكل تتعلّق بتناثر الخلايا الإرهابية اليقظة والنائمة من أبنائها وأبناء جيرانها من الدول العربية والإسلامية على ترابها المتراميّ الأطراف يهدّد أمنها واستقرارها ومصالحها الاقتصادية المباشرة تهديدا يستدعي العمل – وبسرعة – على محاولة احتوائه بشكل فعّال.
فعندما يمارس المجتمع حقّه في التمسّك بخيار إقصاء كل من يهدّد أمنه واستقراره إقصاءً ظرفيا أو أبديا يكون كل فرد من أفراد ذلك المجتمع أو من الدخلاء عليه منذرا وبكل وضوح، إنذارا يجعل المجتمع قد قطع عليه سبيل التماس الأعذار ونوّر طريقه بأن سبيل التّطرف الذي يرمي سلوكه لا يحقّق مصلحته كفرد ولا مصلحة المجتمع وعاقبته المؤكدة بقرار المجتمع الحد من قدرة ذلك الفرد على الاستمرار في توهّم أنه قادر على خدمة مصلحة الجماعات التي تضلّله وتدفع به لارتكاب أعمال إجرامية.
وهو أمر كفيل بأن يجعل كل شاب يافع حالم بالشهرة، متحمّس للدفاع عن أوهام الآخرين يفكّر مليا قبل الإقدام على الالتحاق بصفوف تلك الجماعات الإرهابية ومعاداة مجتمعه، خاصّة إذا كان مجتمعه ذاك يفتح في وجهه كل سبل التماس الشهرة والنجاح من خلال حريّة التعبير ويكفل له حقّه في ممارسة العمل السياسي المقرّ بأحقية الآخرين في الاختلاف والتعبير عن اختلافهم في الأطر السلميّة ومشروعية ووجوب رضوخ كل فرد من أفراد المجتمع لقرار الناخب تولية الشؤون العامّة من تعتبره الأغلبية في استحقاق انتخابي بعينه قد نجح في إقناعها بأهليته لتحمّل المسؤولية وكسب ثقتها في صدق نواياه على السعي الجاد لتحقيق المصلحة.

زيني محمد الأمين عبّاس 
05 جانفي 2008 
إرسال تعليق