الأحد، 23 يناير، 2011

تونس الدولة أمام مخاطر المرحلة

قد لا يجد المرء صعوبة كبيرة في فهم أن يحرص جلّ التونسيين اليوم على التواجد في الشوارع مطالبين بكل ما ضاقت به صدورهم طوال عقود متتالية تربوا فيها على وجوب الانضباط والتزام تعليمات واجب الحفاظ على الأمن والنظام التام لدرجة لم يعد فيها الحاكم بحاجة إلى تذكيرهم بذلك بعد أن زرع بالممارسة في وعي كل واحد منهم بوليسا لا يدفع له أجرا ولو يسيرا على غرار ذلك الذي تدفعه وزارة الداخلية موفى كل شهر لكل فرد من بين خمسة منهم كي يكون بوليسهم الظاهر.
وقد لا يجد ما يبعث على الغرابة أن تبلغ ثقافة الاحتجاج بسرعة كبيرة الدرجة التي تدفع بفيالق من رجال الأمن التونسيين في مثل وقت الانفلات الأمني هذا إلى الشوارع في معظم مدن وجهات البلد في مسيرات احتجاجية حاشدة لم يكن في ثقافة رجل الأمن أن تكون يوما تعنيه بغير واجبه المقدس في تنفيذ التعليمات بقمعها في أقل وقت ممكن للتعبير عن مطالب التنظيم النقابي ورفع الأجور ويرفع شعارات البراءة من دماء تونسية زكية سالت بالأمس القريب في تلك الشوارع نفسها وباتت لعنتها تقلق مضجع كل رجال الأمن في ظل ما يقوم به الإعلام المحلي والدولي من زقّ لمشاهديه بعبارات التمجيد والثناء على جيش رفض أن يشارك في سفك تلك الدماء وانفرد – على ما يبدو – بشرف دور الحسم في حمل الدكتاتور على الفرار.
وقد يستسيغ المرء نفسه كذلك دائما قبول سماع كل ذي صوت يصر على أن يتلذذ في الحين سعادة أن يكون من حقه أن يُسمع صوته دون خوف أو وجل ويُعبر عن رفضه القاطع لبقاء هذه الحكومة التي تمثل في نظره حكومة النظام السابق ومطالبا بحل ذلك الحزب الذي لم يكن تونسي يجرؤُ على التساؤل – ولو في قرارة نفسه - عمّا إذا كانت الدولة دولة الحزب دون غيره أم أن الحزب حزب الدولة.
كل ما سبق مستساغا ويمكن أن يكون ضروريا في مثل هذه الظروف التي يصلح أن يكون فيها نوعا من العلاج الجماعي لنفسية مجتمع وحده الله يعلم كم هو بحاجة إلى الاستطباب وطلب الشفاء من أسقام التسلّط والظلم والقهر والجور طوال عقود متسلسلة استخفت على مرّها أدواتُ الدكتاتورية بعقوله وصفّفته بالرعب بين هاتف ممجد وطامع مغتر وخائف وجل مضطرّ وناقم أطرش أخرص وفار مشرّد "خائن متآمر وعميل"....
لكن ما يعجز المرء عن استساغة فهمه في مثل هذه المرحلة هو غياب الحس بأن تكون المخاطر التي تتهدّد هذا الوطن وأهله حاضرة في أذهان النخبة التي يفترض أن تكون صاحبة الدور الطلائعي في تبصّر مصالح الناس وإنابتهم بالجهد الصادق والنوايا الحسنة في طلب تلك المصالح والحفاظ على كل المكاسب التي تحققت ومكاسب الانتفاضة الشعبية الأخيرة آخرها تلك المكاسب التي قطعت رأس ذلك النظام وهزّت الأرض تحت أقدام عصابات اللصوص التي كانت تتمعّش من سلطانه.
هذه المخاطر هي أكبر التحديات التي ينبغي على الجميع تحمل مسؤولياتهم أمامها وكل من موقعه لأنها المفصل بين أن تصل سفينة الانتفاضة الشعبية العفوية إلى مرسى برّ الأمان بمن فيها أو أن تغرق لا سمح الله بالجميع.
فأمن الأشخاص والممتلكات والضبط المحكم للحدود واجتناب الفراغ الدستوري وعدم اكتمال انحلال أجهزة الدولة وتلف ما بقي من أرشيفها وعودة العجلة الاقتصادية للدوران من جديد بالقدر الذي يمنع تراجع مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق منذ الاستقلال كلها أولويات أكثر إلحاحا من المطالبات القطاعية ودعوات المحاسبة على الشيع وتصفية الحسابات الضيقة جدا وادعاءات الفضل على كل التونسيين بقيادة الانتفاضة أو الثورة وإسقاط رأس النظام أو الترسيم في خطة وظيفية ما......
والخطر الأكبر من هذا كله – في نظري – أن لا نلمس أن النخبة المعوّل عليها في تحمل مسؤولية قيادة هذا البلد مستقبلا ذات التأهيل المحقّق والملموس أن تكون قادرة على تحمل تلك المسؤوليات طالما تصدر منها أصداء أصوات تطالب بما لا ينم عن إدراك حقيقي لطبيعة المرحلة بوصفها مرحلة انتقالية ذات خصوصيات دستورية جدّ محدّدة ودقيقة، على غرار المطالبة بتعديل الدستور وحل البرلمان وتشكيل حكومة تصريف أعمال وتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد المدة المنصوص عليها دستوريا.....
وهي مطالب شعبية وشعبوية بامتياز تُخيف لهفةُ رجال السياسة على تبنيها وترديدها وإحجام رجال القانون والمختصين عن تبيان عدم مشروعيتها واستحالة أن تكون مطالب المرحلة وعبثية أن تأخذ كل الوقت ومن الجميع، إذ حري بكل ذوي الجهود الصادقة اليوم أن تنصب جهودهم في اتجاه الإعداد لانتخابات رئاسية بمن جهز وحضر وتأجيل كل التجاذبات السياسية والسياسوية إلى ما بعد تلك الانتخابات التي من شأنها أن تخرج البلاد من هذا الوضع الدستوري الاستثنائي وترفع كل القيود عن جميع الآليات الدستورية لتحقيق المطالب المشروعة للجميع.
زيني محمد الأمين عبّاس
23
جانفي 2011
إرسال تعليق