السبت، 5 فبراير، 2011

ثمن الرضوخ للدكتاتورية

لطالما أوشك الرجاء أن ينقطع من أن الشعوب العربية والإسلامية يمكن أن تقول يوما لأنظمتها الكُلّيانية المتسلطة اليوم موعد الحسم وتتحرّر من الخوف الدفين الذي يحول بينها وبين مجرّد الشجاعة على إعلان معارضتها لما تقوم به أنظمتها باسمها من تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان والتعدي على الحريات الفردية والجماعية بل وصل بها الوجل حدّ التهرّب من صفة المعارضة اتقاء للشرور وخشية من ظلمات القبور.
أنظمة كانت وحتى الأمس القريب تبدوا مثالا للاستقرار والقوة والإمساك بزمام الأمور للحد الذي باتت معه جرأتها متناهية في التفكير بعلية وبكل وضوح في توريث الجمهوريات كما لو كانت أنظمة ملكية عتيدة وقد تجاوز الأمر مجرّد التفكير إلى التوريث الفعلي الذي قام به نظام حكم حزب البعث السوري الحاكم في سوريا منذ أكثر من عشر سنين في مسرحية دستورية جدّ سيئة الإخراج تمّ فيها ليّ عنق الدستوري السوري ببند واحد يتيم وشديد الإيجاز "أن يكون متما للخامسة والثلاثين من العمر" كما يتم الإعداد لتوريث آخر وبمسرحية أخرى أقرب ما تكون إلى الساذجة والسخيفة في الجماهيرية حيث يلعب الابن المتطلّع لوراثة رقاب الليبيين دور المعارض الجريء لنظام حكم أبيه ذلك النظام الذي لم يعرف عنه قطّ وعلى مرّ أكثر من أربعين سنة أنه يمكن أن يكون متسامحا مع من يفكّر ولو سرّا في مجرّد النقد ناهيك عن معارضة قائد الثورة ونظام حكم شعبه الصوري.
في مجتمعات عربية وصل فيها الانسداد في الأفق السياسي وديمومة حكم الرؤساء واستقرار أنظمة حكمهم وما يلقونه من دعم غربي باسم التحالف ضدّ الإرهاب بالمثقف حدّ الشك الجدّي في أن القدر يتواطأ على مصائر هذه الشعوب وبتحذير مسبق (لا يغير الله ما بقوم....الآية) والتفكير في أن العودة لأنماط الحكم الملكية أو الأميرية القديمة ربما تكون أفضل سبيل لتخليص تلك الشعوب من حلقة الجمهوريات الملكية المفرغة التي تدور فيها، خاصة وأن فضل الشعوب على وارثي حكمها في حال تمت إعادتهم إلى الواجهة فرصة ذهبية لتقييد سلطانهم بدساتير ملكيات دستورية تقرّ رمزية الملك والانتفاع بحيلولة سدّه كرسي الحكم وقطع الطريق على الرؤساء المتملّكين بممارسة الشعوب حقها في انتخاب برلمانات تمثلها وحياة حزبية حقيقية وانتخابات حرّة وخارطة سياسية واضحة تكرّس سلطة الشعب.
وأمام ما شهدته الجمهورية التونسية مؤخرا وما تشهده جمهورية مصر في الوقت الراهن بات من الواضح أن انتهاج أسلوب تقزيم الشعوب والاستخفاف بغضبها وتفسير صمتها ولامبالاتها حتى بالذود عن كرامتها على أنه تأييد للأنظمة قد يودي بالأنظمة إلى الوقوف على صدق المثل الفرنسي القائل بأن الرغبة في الربح الكثير قد تؤدّي إلى خسارة كل شيء. ذلك ما جرّبه زين العابدين بن علي ومافيوزة أصهاره المتنفذين في الدولة التونسية منذ عشرات السنين وما يتذوّق طعم مرارته الرئيس المصري محمد حسني مبارك وحاشية رجال أعماله.
والشعوب من هذا كله في موقع الضحية على الدوام إذ عانت من ظلم وجور الأنظمة وسوء استخدام السلطة ودفعت أثمانا مضاعفة لذلك على مرّ العقود واكتوت وتكتوي بنار الاستئصال الموجع لهذه الأنظمة ولمّا تبلغ بعد أهدافها المنشودة من ثورات دفعت دماء كثيرة ثمنا لها إذ كل ما جنته حتى الآن – حتى وإن كان الوقت مبكرا على تقييم النتائج – هو نظام مزيج بين الديمقراطية المنشودة والفوضى المحصودة. هذا النظام اقترحت له اسما مزيجا من الوضعيتين هو: النظام "الديموضوي" وهو نظام بسماة الديمقراطية شكلا بإتاحته حريّة التعبير وإقراره بالحق في التفكير وتجسيد كل ذلك بالإطناب في ممارسة حق التظاهر والاحتجاج ولو مع غياب سلطة واضحة تنتظر منها تلبية المطالب وهو عمليا فوضى عارمة يختلط فيها حابل انهيار مؤسسات الدولة وجهازيها الأمني والإداري بصفة خاصة بنابل الأنانية سمة متجذّرة في الفرد وغياب كل أشكال التنظيم العقلاني الضروري لتوفير أفضل ظروف الحياة الاجتماعية.
زيني محمد الأمين عبّاس
05 فيفري 2011
إرسال تعليق