الأربعاء، 13 أبريل، 2011

تونس الثورة من دكتاتورية إلى أخرى

كم كان رنّانا ذلك الشعار الذي رفعته الحناجر في الأيام الأخيرة لعهد الرئيس المخلوع (الشعب يريد إسقاط النظام) ولم يستطع الهارب أن يصمد في وجه صدى لحنه في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة وحول وزارة الداخلية رمز حصن نظامه المنيع وقلعة الجور والظلم والقمع والاستبداد وذابت من حوله إمبراطورية الزيف والسذاجة التي طالما تمعّش من ريعها انتهازيو الحزب وعصابات الأصهار
ذلك الشعار ولحنه هو أول منتوج للثورة التونسية عبر الحدود وتجاوز عتبات اللهجات العربية بمختلف لكناتها ليصبح المؤشر الصادق على أن أمور الحراك في هذا البلد أو ذاك وصلت الحد الذي لم تعد معه العودة إلى سالف العهد ممكنة ولا وصفة الدعم الخارجي لأنظمة "الاستقرار" المؤمن لخدمة المصالح والضامن لظروف الاستثمار دعامة راسخة لهذا الزعيم أو ذاك ونقطة التحول التي تجعل الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة تحول رهانها من زعماء تدرك – حسب ما أطلعنا ويكيليكس – تمام الإدراك ومنذ زمن بعيد أنهم جبابرة سفاحون فاسدون لصوص يرعون مصالحها إلى شعوب تحركها الشوارع حراكا محفوفا بمخاطر مجهول عناوينه الفوضى والتطرف الديني والصراعات القبلية والجهوية والحروب الأهلية غير أنها شعوب ذات حقوق إنسانية مشروعة في أن تكون مرجع الشرعية والسيادة وشريكا في الحكم، حقوق مبادئ يؤمن بها الغرب وحكماؤه وساسته إيمانا راسخا منذ الثورة الفرنسية وكانت جهود السعي لاحترامها حتى الأمس القريب (ما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001) معيار تعامل الغرب مع أنظمة العالم الثالث عموما والأنظمة في البلدان العربية والإسلامية خصوصا وبموجبها فرخت بعض الحركات الإسلاموية شديدة التطرف والكراهية للغرب وقيمه في لندن وآمستردام وبرلين وبروكسل وباريس.... بحصانة حرية التعبير وحق الاختلاف ومبرر الهروب من أساليب القمع والاستبداد والاضطهاد وآلية اللجوء السياسي التي تسمح للحكام الغربيين بإنفاق أموال دافعي الضرائب لتمويل إقامة وعيش المضطهدين في بلدانهم.
شعار (الشعب يريد إسقاط النظام) شعار يستمد حجّيته الدامغة من كلمة "الشعب" لأن الشعب مرجع كل السلطات في الدولة والمجتمع والشعب عمليا متعال عن النقد وعن التشكيك في صدق نواياه وتطلعاته خاصة إذا ما كانت تلك التطلعات تتخذ من الحرية وحق العيش الكريم عناوين موصوفة.
لكن مجريات أحداث ما بعد تحقيّق الشعب مطلبه بإسقاط رأس النظام وكل العقبات التي تقف في وجه جهود البناء وانهيار أسس وأجهزة الدولة وتعطل اقتصادها وصفحة الماضي التي يصعب طيها ونزعات المحاسبة على الشيع ودعوات الإقصاء وغياب الحس بوعي حقيقي لإرادة التأسيس لسيادة القانون والثقة في أن القانون وحده سيّد وحاكم متعال على الجميع كلها مؤشرات تبعث على الشك – والشك غالبا ما يكون طريقا لليقين – على أن الشعب عندما أراد إسقاط النظام إنما أراد أو أرادوا له أن يخرج إلى الأبد من دائرة إمكانية التنظيم أو اختلطت عليه وعليهم معاني النظام المختلفة أو اختزلوها في دلالته على السلطة المتسلّطة القائمة دون غيرها من المعاني الأخرى الدالة على التنظيم والإدارة والتسيير أو تلك التي تحسب الشعب جزءا من النظام مهما كان رأس النظام وحاشيته رمزا للتسلّط والجور والفساد والشعب ضحية كل تلك الصفات فالحاكم غالبا ما يكون صورة للمحكوم إن لم نقل إن المحكوم دائما أداة ناجعة في ترسيخ دعائم حكم الحاكم.

استحضار المعاني والدلالات المختلفة لكلمة النظام قد يفيد في فهم لغز ما يبدو عصيا على الفهم والتذليل من الصعوبات منذ الرابع عشر من جانفي (يناير) 2011 وحتى الآن حتى وإن اعتبر البعض – بكثير من التفاؤل غير المبرر في نظري - أن مصادقة مجلس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي على مشروع المرسوم المقترح لتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي خطوة كبيرة إلى الأمام على الطريق الصحيح في سبيل الخروج بالبلاد من وضع عنق الزجاجة المتأزم الذي هي فيه والذي بات أقرب إلى لعنة إسقاط الشعب للنظام بمعناه المتضمن لجزئية الشعب وآليات تنظيمه من النظام منه لظروف يراها البعض عابرة ومن طبيعة مرحلة ما بعد الثورة وما تحمل من معاني الشمولية والإبهام.

فالثورة و"شرعيتها" باتت أقرب إلى رداء يبدو جديدا لنظام قديم، نظام كان يتمتع بشرعية تسويف صورية ومزيفة والشعب شاهد زورها العصي على المساءلة والحساب مهما كانت نواياه صادقة و مطالبته مشروعة بمحاسبة كل رموز النظام السابق، منها لمصدر شرعية قانونية واضحة ومقنعة يمكن الاطمئنان إلى أن التأسيس عليها قاعدة صلبة لنظام حكم جديد فيه مسألة التعايش السلمي والحكم الرشيد والتداول السلمي على السلطة وسيادة القانون أمور محسومة حسما متعاليا على كل إمكانية محتملة للتشكيك أو للرفض.
وبعبارة أخرى أكثر وضوحا وصراحة يعد الخروج من تحت سقف الشرعية الدستورية الانتقالية بمظلة سقف الفصل 57 وحل المجالس التشريعية خاصة مجلس النواب عنوان السلطة التشريعية وإلغاء العمل بالدستور اقتلاع لشجرة أغصانها ممتدة على مساحة 164ألف كلم مربع عمّرت لأكثر من خمسين سنة والطمع في أن تعيش ستة أشهر كاملة كي نبدأ في التفكير كيف ومتى وأين ووفق أي أدوات نعدّ حفرة جديدة لإعادة غرسها وطمع زائد في أن نظل نقتات من ثمرها وبنهم كبير وشهية مفتوحة طيلة هذه المدة وما بعدها.
ليس هذا الطرح – كما قد يتبادر لأذهان البعض – ذرفا للدموع على نظام غير مأسوف عليه ولا مسعى للتستر أو الخشية من تبعات مساءلة أو ملاحقة لمن لم يكن منه يوما في موقع غير موقع الضحية المستباحة وما يزال وإنما وعيا بالمخاطر التي ينفذ إليها مستوى تعقّل متقدّم يسمح بقراءة ما خلف سطور استبدال شرعية مقيتة وزائفة توفّرت أسباب وظروف تقويمها بـ"لاشرعية" حقيقة حتى وإن حصل نوع من الاتفاق لا نملك تماما سبل وآليات تقدير حجمه كميا على أنها من ضروريات المرحلة.
قد تكون الـ"لاشرعية" مطلبا شعبيا وشعبويا بامتياز في مثل ظروف المرحلة تلتقي عنده مصالح أصحاب النوايا الطيبة في القطع مع الماضي من النخبة وعامة الشعب في غياب التأطير الهادف للتأسيس لاستقرار سياسي ديمقراطي ودائم بمصالح الساعين لخلط ما بقي من الأوراق بعد الحرق في خضم أحداث الثورة وتصفية الحسابات بالطرق العرفية لكنها لن تبلغ مهما كان ذلك مطلوبا مستوى شرعية تستند إلى مرجعيات قانونية مؤسس لها ومثبتة وعناوينها واضحة ومستعملة للدلالة على شخصية اعتبارية لا بديل عنها مستقبلا.
كما أن استبدال مجالس أُشهد الشعب في ظروف نعرفها زورا على أن تكون له ممثلة بمجالس وهيئات أريد للشعب أن تكون له بديلا في وقت لا تتوفر آليات إشهاده بصدق أو بزور جديد على أمل أن تكون مصدر شرعية جديدة مرجعيتها الوحيدة "الثورة" وما تلتحف به من كساء الضبابية لمجلس تأسيسي يجمع كل السلطات كما عهدنا المخلوع، كل ذلك يعتبر – في نظري وقد لا أكون من أصحاب النظر الثاقب – عودُُ على بدأ أو استبدال دكتاتورية كنا نعرف لها عنوانا وسلطانا بينا طمع بعضنا في فتات موائده وخاف جُلنا من سوط جلاديه واغتر بعضنا الآخر بمظهر صدق وعوده ووقع جوره وظلمه على الجميع بدكتاتورية "الثورة" التي أخبرنا ابن خلدون – وإن بنوع من القراءة والتخمين – أن صفاتها لن تختلف عن ما عهدنا في دكتاتوريتنا السابقة إلا باختلاف مواقع الغالب والمغلوب حول محور ثابت أسماه التقليد.

زيني محمد الأمين عبّاس

13 أفريل 2011
إرسال تعليق