الأحد، 8 مايو 2011

القضية الفلسطينية: مقترح عملي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة

كنت قد طرحت في مقال طويل نسبيا كتبته بتاريخ 2 مارس سنة 2007 مقترح حل للقضية الفلسطينية قائم على رؤية نقدية للموقف العربي والفلسطيني من هذا الصراع الذي يكاد يكون صراع العصر بلا منازع وحطم الرقم القياسي في الحضور على الساحة المحلية والدولية باستمرار دون أن يكون حضوره مؤشرا على حل ممكن أو مرتقب في الأفق القريب.
ذلك المقترح الذي تقدمت به قوامه دعوة للعرب والمسلمين عموما والفلسطينيين بشكل خاص لوقفة تأمل تقيّم كل جهودهم الهادفة لإيجاد حل لهذه القضية وحساب ما آلت إليه من نتائج إيجابية أو سلبية في مقابل ما يحققه عدوهم من مكاسب على حساب حقوق الفلسطينيين المشروعة في العيش على جزء من أرض أجدادهم.
قوام ذلك الحل فكرة ضرورة التحرر من عقدة الاعتراف بإسرائيل وقبول التعايش معها من واقع أن رفض الاعتراف بها الذي اتخذه معظم العرب والفلسطينيين خيارا وموقفا ثابتا في تعاملهم مع هذه القضية لم يحقق رغبتهم في التخلص من هذا الكيان ولا أمل في أن يحقق ذلك الهدف واستثمار هذا الثابت العربي اللاعقلاني إسرائيليا هو النتيجة الوحيدة المحققة والبارزة، إذ كل ما تحققه إسرائيل من دعم دولي وغربي خاصة مرده تسويقها لفكرة رفض العرب والمسلمين لليهود ودولتهم والغرب – بسوابقه وممارساته تاريخيا – حساس من هذا الرفض ومن ذاك الخطاب ولا يملك أن يكون موقفه من تطلعات الدعم الإسرائيلية مترددا ناهيك عن إمكانية أن يتخذ مواقف رافضة أو ضاغطة على إسرائيل وقادتها خاصة أن سلوك العرب الاستعدائي للغرب عموما وقيمه في مواقفهم وأطروحاتهم السياسية عامل مساعد لميول غربية منحازة سلفا لصالح إسرائيل.

فكرة هذا المقال والآن بالذات نابعة من عوامل متعددة نشير لأبرزها بعجالة قبل عرض مقترح الفكرة العملية لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

فالعامل الأول استشرافيٌ قوامه أن ما تشهده الساحة الفلسطينية من تقارب بين فتح وحماس وما يعلق عليه من آمال لإنهاء الانقسام لا يختلف في شيء عن الآمال التي علقت على اتفاق مكة المكرمة في ظروف كتابة المقال الأول والذي ورد بشأنه في نص المقال ما يلي: 

"هل حكومة حقن الدماء الفلسطينية التي قد تنبثق عن اجتماع مكّة المكرمة ستكون أكثر حظا في تحقيق ما عجزت عنه حكومة حماس من رفع للحصار عن الشعب الفلسطيني طالما لم تتحقّق مطالب الولايات المتحدة الأمريكية والرباعية الدولية من حولها خاصة منها ما يتعلّق بالاعتراف بإسرائيل؟"
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن توقيع المصالحة في القاهرة قبل عدة أيام إذ نظرة الاستشراف ذاتها تنفذ إلى فكرة أن ذلك التوقيع شبه المفاجئ – والارتباك البروتوكولي الواضح دليلنا على ذلك - أمكن نتيجة كون حماس أول القافزين من سفينة نظام حكم حزب البعث المتهاوي في سوريا والسعي للمصالحة التي رفضت حماس التوقيع عليها لسنوات عدة يعتبر طوق نجاة اضطراري استلزمه التخطيط لهروب قد تضطر له الحركة من مجتمع سوري ثائر يدرك الحمساويون أنه سيتطلع لا محالة بعد إسقاط نظام البعث وبشّار لمحاسبتهم على أدوار تجسس لعبوها ويلعبونها لصالح النظام السوري مقابل دعمه وحمايته لقادتهم وجهاز حركتهم السياسي لحاجة في نفس يعقوب.

أما العامل الثاني فهو رغبة صادقة في الإسهام في حل هذا النزاع الذي ظل دائما يراوح مكانه ويلقي بتبعات استعصائه على الحل على كل الجهود العربية والإسلامية الرامية لتحقيق التنمية والتقدم ويستعد ليكون – بعد انقشاع غبار الثورات الشعبية الجارفة – الحائل الأبرز بين الشعوب وبين جهود بناء أنظمة ديمقراطية تقطع مع ما شهدته الجمهوريات الملكية من تستر بالصراع وتسويق الحكام لأنظمتهم وشخوصهم لاعبون أساسيون يقفون في وجه إسرائيل ويدعمون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني - على حسابه غالبا - ويغطون بكل ذلك الخطاب جرائم انتهاكهم لأبسط حقوق شعوبهم في الداخل.
فكل الدلائل تشير إلى أن العوائق في وجه الشعوب العربية الثائرة سواء منها تلك التي نجحت في تحقيق الأهداف الأولية لثورتها أو تلك التي ما تزال تتخبط في دماء مدنييها لإرواء عطش قادة دمويين متشبثين بريع الحكم أكبر من أن تزيد عليها موروث صراع يكبر معظم قادة الرأي فيها وكل مقومات حله النهائي متوفرة ومتفق عليها تقريبا (الأرض مقابل السلام ، دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967، القرارات الدولية، التعايش السلمي....) خاصة وأن الثورات أبرزت نية الشعوب في القطع النهائي مع ساسة الأمس القريب وأساليبهم المافيوزية في إدارة الشأن العام وغياب النخب السياسية البديلة القادرة على التعامل مع أوضاع مجتمعاتها الشائكة والمعقدة عائق كبير منبعه قبول تلك الشعوب طوال عقود متتالية من حظر للعمل السياسي وإقصاء أصحاب الرأي المخالف إن لم نقل مسؤوليتها في السكوت على التنكيل بهم وتهميشهم.

إن المقترح العملي لبناء دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 وفق القرارات الدولية منسجم مع طبيعة التفكير البنيوي الذي ينفذ إلى حقيقة أن الهدف الأسمى الذي يجب أن يضعه الفلسطينيون نصب أعينهم ويعملون بكل جد لتحقيقه هو إقامة دولتهم على جزء من أرض أجدادهم وانتقالهم من وضعية الشعب المضطهد المحتل إلى شعب سيد على أرضه يفرض إرادته في الحياة والحياة الكريمة معيارا على كل ساسته وسياسييه والخروج من التقوقع خلف لغة الاستعداء المميزة للفكر العربي والإسلامي ومراجعة خيارات النضال والكفاح وفق ما يتاح له من أدوات وإمكانات وعمق استراتيجي.
فاستمرار التعويل على أن لغة الكفاح المسلح المزايدة وحدها كافية لحمل إسرائيل على منح الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة سياسة نعامة مفضوحة وقرار التخلي عن الخيار العسكري بشكل نهائي لا يشكل هزيمة أكبر مما يلحق بالفلسطينيين العزل من نساء وأطفال وشيوخ وبالبنية التحتية الهشة أصلا للشعب الفلسطيني من وقت لآخر من أضرار على خلفية انسياق بعض التنظيمات خلف أطماع دعم قوى محلية وإقليمية تسعى لتحقيق مصالحها وتسوية حساباتها مع إسرائيل بالوكالة.
ويتمثل هذا المقترح العملي في جملة من النقاط نوجزها في الأربعة التالية :

1-     البدء في تأسيس الدولة الفلسطينية بتوفير ظروف استقلالها المالي تمهيدا لحصانتها الاقتصادية واستقلالها السياسي بإنشاء عملة فلسطينية تتبنى الدول العربية مجتمعة وكل حسب قدرته واستعداده توفير ضمانات صكها وطباعتها وتخصيص المبالغ التي تساهم بها الدول العربية والمجتمع الدولي عموما لتكون أول ميزانية للدولة الفلسطينية المستقلة وترصد في بنك مركزي فلسطيني يُنشأ وتقام له فروع في المدن الفلسطينية الكبيرة سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

2-      تكليف لجان عربية تحت إشراف أممي وبتفويض من مجلس الأمن الدولي بتولي مهمة توزيع العملة الفلسطينية في الأوساط الشعبية والتنظيمات الفلسطينية مقابل جمع السلاح وفق برنامج يعده المختصون في الميدان يحدد سعر كل قطعة سلاح وآليات صرف أثمانها بعد التأكد من إتلافها وحفظها في حاويات خاصة توفرها شركات دولية يتم التعاقد معها لإعادة تدوير معادن تلك الأسلحة وصنع تماثيل رمزية للنضال الفلسطيني المسلح يختار الفلسطينيون شكلها وأحجامها ويتم تنصيبها لاحقا في ساحات النضال في كل المدن والقرى الفلسطينية وتبقى شاهدا على أن هذا الشعب بذل دماء زكية كثيرة في سبيل الاستقلال واقتنع أن النضال المسلح نضال مرحلي بلغ حده وآتى أكله وحان الوقت لتجاوزه وترسيخ رمزيته إلى الأبد استجابة لرغبة كل الشعب الفلسطيني وتخليدا لأرواح مناضليه.

3-     تكليف لجنة خبراء في القانون الدستوري فلسطينيين وعرب بتفويض أممي بصياغة الدستور الفلسطيني الذي يجب أن يتم التنصيص فيه على تمسك الشعب الفلسطيني بحقه في الاستقلال وفق قرارات الشرعية الدولية وقراره بالتخلي عن خيار الكفاح المسلح واستعداده للقبول بدولة فلسطينية مدنية منزوعة السلاح تتطلع للعيش بسلام مع جميع جيرانها وإسرائيل أقربهم في حدود الرابع من حزيران 1967 ورغبتها في أن يكون الجدار العازل الذي ترى فيه إسرائيل اليوم جدارا أمنيا حدودها النهائية مع إسرائيل على أن يتطابق في مساره مع حدود 1967 المذكورة آنفا. 

كما يجب أن ينصص الدستور الفلسطيني على أن الثقة في الشرعية الدولية كضامن لأمن الفلسطينيين في أرضهم أكبر من أي وهم ببناء قوة عسكرية تكون عبئا على كاهل الفلسطينيين ولن تصل مهما بلغت حد فرض نوع من التوازن الإستراتيجي مع قوة الأمر الواقع العسكرية الإسرائيلية.

إضافة إلى ما سبق يجب أن ينصص الدستور الفلسطيني كذلك على تجريم حمل السلاح داخل الأراضي الفلسطينية خارج ما تقتضيه الضرورة الأمنية لبعض أجهزة الحماية ناهيك عن الحظر المطلق لكل أشكال التنظيمات المسلحة تحت أي مسمى كانت وبأية دعوى كفاح أو نضال.

4-        بعد الانتهاء من توزيع العملة الفلسطينية وجمع السلاح واكتمال إعداد الدستور الفلسطيني تشرف الأمم المتحدة على استفتاء شعبي لإقرار الدستور الفلسطيني وبإقراره يتم إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة التي تستوعب كل الفلسطينيين عدا فلسطينيي 1948 والبدء في انتخابات رئاسية وتشريعية تفرز سلطة فلسطينية مدنية شرعية تقطع مع ما عليه حال الشعب الفلسطيني من تشرذم وولاء لفصائل ذات ذمم غالبا ما تكون مرهونة لقوى خارجية لا تولي مصالح الفلسطينيين من اهتمام خارج مساعيها لخدمة المصالح الضيقة لحكامها. 
زيني محمد الأمين عبّاس
08
 ماي 2011
إرسال تعليق