السبت، 29 أكتوبر 2011

وقعت فأس الإسلام السياسي في رأس الجميع

عند الحديث عن الإسلام السياسي في هذا المقال وفي غيره من كتاباتي المقصود هو التوجه أو التيار الإسلاموي أي أولئك الذين يصرون على أن ما يقدمون ويطرحون من "أفكار" و"برامج" يفترض أن تكون سياسية نابعة من الدين الإسلامي الحنيف أو هي ذات خلفية إسلامية ونيتهم جميعا –إن سلمنا لهم بصدق النوايا- أن تلك الأفكار والأطروحات هي أفضل ما يمكن أن يستشف من الإسلام إن لم نقل إن الكثيرين منهم يرون فيها الإسلام ذاته دون أن تصل بهم الموضوعية وبنيوية التفكير لحد تبصر مخاطر أن الطرح يثير التساؤل عن ماهية الإسلام الصحيح من الإسلام الخطأ.
وبذرة الإسلام السياسي تاريخيا قديمة قدم بعض محاولات الإصلاح قادها متنورون استشعروا الضرورة للإصلاح مع إرهاصات انفتاح المجتمعات العربية والإسلامية على الحضارات والشعوب الأخرى غير أن الفكرة والبذرة ظلتا في الحقل الفكري ولم تغرس في التربة السياسية إلا مع منتصف القرن العشرين وغالب ظن الكثيرين –وقد لا يخرج ذلك في اعتقادي عن نظرية المؤامرة التي لا يكاد يستقيم دونها فكر أو تفكير في الوعي واللاوعي العربي المسلم تقريبا- أن ذلك كان بفعل أجهزة المخابرات الأمريكية لزرع الفرقة والشقاق حول عامل وحدة هذه الأمة ولحمة كل المنضوين تحت ظلال هذه القيم وتلك الحضارة خاصة أن الدروس التي يستقيها الغرب ومنظريه عادة من مجريات أحداث العالم في القرن العشرين ودور الإسلام وقدرته على الجمع والتوحيد كما حدث في العهد العثماني يمكن أن تكون موضوعيا حافزا على التخطيط لتجنب مخاطر استمرار مثل ذلك.
والأهم في نظري من البحث والتحليل في التاريخ وادعاءات كل طرف ومساعيه لتأويله –وما يعلم تأويله إلا الله- هو محاولة فهم هذه الظاهرة على حقيقتها بمنهج التجرد من كل معيقات الموضوعية كالعواطف والمشاعر وقيود الانتماء وما شابه:

وفهمه يبدأ بفهم مكانة الإسلام وطبيعته كديانة سماوية خاتمة للرسالات ومفارقة التغافل في الفكر وفي المعتقد عن مقصد الختام في هذا المجال، أي عن السر الذي بموجبه قرّر صاحب القرار وحده دون غيره (الله) وضع حد لتوجيه بني البشر بأنبياء ورسل يعدّون ويلهمون ويبعثون لقرى ومدن وأقوام في البداية ثم للبشرية جمعاء في الختام. إن لم ينفذ العقل العربي الإسلامي في القرن الواحد والعشرين وما يحمل من دلالات التراكم إلى أن في المسألة سرّ يرجى ويطلب وينتفع من وراء طلبه بمنفعة وفائدة فأقرب الظن أن الرسالة لم تصل بعد وقد لا تصل مستقبلا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الله خلق البشر واصطفاهم بقدرات وملكات خفية تتطور مع الزمن وحرص على رعاية نمو تلك الملكات وتوجيه بني البشر طالما علم أن ملكاتهم ما تزال دون مستوى النجاعة والتطور الموجب لتحمل المسؤولية المترتب عليها الحساب وما بعده إن بالثواب أو بالعقاب وجفف المنابع بعد ذلك وأخبر على لسان خاتم أنبيائه ومرسليه محمد بن عبد الله (ص) بقوله "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".

إن لم ينفذ بني البشر عامة والعربي المسلم بصفة خاصة من قراءة النصوص المحفوظة بالإعجاز والمذكور فيها بصريح القول في باب القصص القرآني وفي أكثر من قصة ومكان أن حساب المنذرين جلهم كان حاضرا بالصيحة أو الرجفة أو الغرق والطوفان..... وكان حسابا جماعيا في معظم الأحيان، وحساب من بعد الختام مؤجل ومنصوص على أنه فردي "كل نفس بما كسبت رهينة" فما الرجاء من الطمع في أن تكون أساليب المزايدة والخداع التي يتبعها البعض ومظاهر التقوى والورع والخشوع لدى البعض الآخر مؤدية للمصالح؟ أو دالة على أهلية تبصرها وطلبها؟ 

الدين في جانبه المتعلق بالعلاقة بين الخالق والمخلوق البشري علاقة نفعية يرجو الخالق من ورائها تجسيد ربوبيته ونص على ذلك صراحة بالقول "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" ودلالة ذكره في غير مكان بأن كل المخلوقات الأخرى من طير وجماد وجبال تعبده وتسبحه "كل قد علم صلاته وتسبيحه" تشير إلى أن العبادة في حد ذاتها ليست الهدف بقدر ما الهدف التقاء العبادة بالإقرار والإقرار لا يتم إلا بحضور ملكات فوق المستوى المحسوس فضل بها الله بني البشر على غيره وبموجبها سخّر له كل ما في الكون تقريبا. ونفع المخلوق بالطاعة والإيمان والاعتقاد والتسليم توازن نفسي قبل كل شيء وانصراف من بعد التوازن لطلب المنافع والمصالح الحاضرة دون التغافل عن أن استحضار المؤجل من الحساب حافز على ترسيخ سلوكيات وقيم تجلياتها (الأخلاق) مساعدة على توفير أفضل ظروف التعايش بين بني البشر في الإطار الزمكاني الوحيد الجامع المتمثل في الدنيا وما عليه حالها من تعقيد يستوجب حسن التخطيط والتنظيم في دول وممالك ومجتمعات أداة إدارتها الأولى والأخيرة هي السياسة.

الإسلام السياسي والقومية العربية وجهان لعملة واحدة اسمها الانغلاق أو التقوقع على الذات من منطلق فهم أن الإحساس بالانتماء للعروبة أو للإسلام دعامتا الهوية خصوصية والخصوصية عنوان للأنانية والنفور من الآخرين، هذه العملة رائجة بلا منازع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بدليل رضوخنا في بعض البلدان ولعشرات السنين المتتالية لقومجيين سذج زنادقة ومبتذلين وتكالب جماهيرنا العريضة اليوم بعد الربيع العربي على صناديق الاقتراع التي لم تألف شفافيتها قط لتفويض الإسلامويين بالطمع في أن ادعاءهم خوف الله أو أن الخزّ البادي على وجوه من ندى السجون وبريق الراحة الذي تشع به أخرى من المنافي مظنة أهلية طلب المصالح الدنيوية الموصوفة بالتنمية والتقدم والرخاء لا بترويج منقلبات الخلد وجنات النعيم.

الآن وقد أفضت أول انتخابات ربيع عربي يرجى أن تتفتح أزهاره في الشتاء السرمدي القارس إلى تفويض حزب حركة أو حركة حزب - لست أدري - يوصفان بأنهما إسلامويان (حركة النهضة أو حزبها) في تونس فإن الأنظار تتجه إلى ما ستؤول إليه الأمور وكل الدلائل تؤكد أن الضبابية ما تزال تلف المشهد:

النهضة التي فوضها الشعب التونسي أمره وبأريحية كبيرة وفي انتخابات يشهد الكثير من المراقبين أنها تمت في ظروف غير مخلة بمصداقية نتائجها تسعى على ما يبدو إلى أن تنصب رئيسا للبلاد غير نهضاوي وتشكل حكومة وحدة وطنية متعددة الأطياف في خطوة تذكّر جل التونسيين بما كان يقدم عليه المخلوع من الفوز في كل الانتخابات بنسبة عريضة وواسعة (99.99°/°) ويعطي المعارضة عشرين في المائة من مقاعد البرلمان.

وترى النهضة في ذلك التزاما بما قد قطعته على نفسها من عدم الترشح للرئاسة في هذه المرحلة وتريد أن تخفي –حسب ما أرى- تخوفها من انكشاف عورة الفشل المحتمل لكل من لم يؤسس فوزه في الانتخابات على أهلية حقيقة لتحقيق طموحات وآمال الجماهير العريضة التي توسمت فيه الأهلية لذلك ورفع تحديات الوضع الشائك الذي خلفته أشهر تسعة من الفوضى وتفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها.

المخلوع كان يقوم بذلك ويسوق الفكرة على أنها انفتاح وديمقراطية ومسعى لفتح الباب أمام المشاركة في الحكم والنهضة لا ألمس لها فلسفة من وراء مثل هذه الخطوة اللهم ما لزم من شك في أن قادتها ومنظريها يسعون لأكل الأشواك بأفواه الآخرين:

فإن نجحت الطبخة المراد إعدادها وأبرزت نجاعة في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلد ولسكانه المتطلعين للأفضل يكون النجاح نجاحا للنهضة والتفويض الشعبي الواسع دليل إثبات ذلك وإن فشلت فإن إمكانية تسويق الفشل على أنه فشل الآخرين وتهمة أن أمريكا فرضتهم على الحركة قائمة ورائجة ومدخل لخداع الجماهير في الاستحقاقات القادمة بعد انتهاء مرحلة انتقال التأسيس هذه.

فأس النهضة إذا وقعت في رأس المجتمع التونسي وورطة انهيار الدولة التونسية بـ"ثورتها" وأوضاع مجتمعها المتأزمة على مختلف المستويات وفي كل الأقاليم والجهات فأسا ذهبية صدئة في يد النهضة وقادتها تسعى لأن تجش بها رؤوس كل المنافسين والخصوم.

والوضع على ضبابيته وتعقيده كما وصف في تونس يكاد يكون وضع جميع المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى في سلسلة من ناسخ ومنسوخ وحده الله يعلم متى وكيف سينتهي تدحرجها في منحدرات ومنزلقات الزمن والتاريخ.

زيني محمد الأمين عبّاس

29 أكتوبر 2011

إرسال تعليق