الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

مجتمعاتنا العربية والإسلامية وورطة الهوية

الهوية هي عنوان الخصوصية أي ما به يتميز الكائن الآدمي – كي لا نتيه بين المخلوقات – عن غيره ولها عناوين مختلفة باختلاف مستويات تلمُّسها وإدراكها فعناوين هوية الفرد فيزيولوجية بالأساس: ظاهرة كبصماته ولون عينيه وشعره وقسمات وجهه.... وخفية كتركيبة حمضه النووي أو بصمته الجينية كما يقال. وتُثبت أهم وأبرز عناوين الهوية الظاهرة في بطاقة التعريف التي تأخذ اختصارا تسمية "الهوية" للدلالة على أن المقصد منها والمرجو هو التعريف بالشخص عند الاقتضاء أو الضرورة وتمييزه بما لا يدع مجالا للشك عن غيره.
أما على مستوى المجموعة فعناوين الهوية أحاسيس وشعور بانتماءات مختلفة أكثرها ترددا الشعور بالانتماء العرقي أو الديني إضافة إلى الشعور بالانتماء الجغرافي لرقعة ترابية معينة تضيق لتقتصر على مجال القرية أو الدوّار أو الجهة وتتسع لتتطابق مع الحدود السياسية لبلد ما عنوان هو الآخر لهوية طبيعتها سياسية ومضمونها محطُّ كل التجاذب وأطماع هواة السياسة المحدثين والحداثيين.
الأصل في الهوية كما عُرّفت أعلاه والهدف منها التعريف أو التمييز ولا شيء آخر غيره وذلك مثبت في النص القرآني في الآية 13 من سورة الحجرات "... وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... " وإن خرجت الهوية من ذلك الإطار تصبح دلالتها على العرقلة والتعطيل أكثر مما لها من مظنة البناء السليم والتأسيس وذلك ما جربته شعوبنا العربية والإسلامية منذ أصبحت تتطلع لبناء أنماط تفكير سياسي تبحث لها عن مُلهم في مقومات هويتها بدءً بالقومية العربية وانتهاء بالتيارات الإسلاموية المتعددة حيث جاءت النتائج في جميع الحالات مطابقة لطبيعة مُلهم الفكر ميالة للشخصنة لحد أن القومية في مصر ناصرية والقومية في سوريا بعث سوري عنوانه حافظ الأسد وبشّار من بعده وفي العراق بعث عراقي رمزه شخص صدام رغم أن العقل والمنطق يقولان إن مرجع البعث واحد في الشخص والتفكير (ميشال عفلق) فإن العراق وسوريا كانا أبعد ما يمكن مِن أن تُتصوّر بينهما علاقات دبلوماسية سليمة ناهيك عن هدف الوحدة المنطلق في فكر البعث.
نفس الخطاب المسوق لحماية وصيانة والدفاع عن الهوية الذي أسس لاستدامة حكم صدام وحافظ الأسد والقذّافي وقبلهم جمال عبد الناصر باسم الانتماء العربي وما أخفى من انتهاكات حقوق الأفراد والجماعات والاستفراد بالسلطة لحد الاستئثار بها وتوريثها أو نيته هو ذاته الخطاب الذي يتردد على مسامعنا اليوم على كل المنابر وفي كل المناسبات والخطب والمحافل باسم الإسلام مع تبلور المستفيدين أكثر من غيرهم من ثمار الربيع الذي يوصف بأنه عربي.
ضيق أفق الفكر المتمحور حول الهوية بركائزها المختلفة هو مُفسّر ما تكاد تعجز كل العقول عن فهمه من نزعات التقوقع على الذات والانطواء وميولات النفور من كل من لا يدخل في صدفة الهوية الضيقة وحتى مِن مَن يدخلها ويتبنى فكرا مخالفا خلافا مشروعا ومطلوبا في كل الأطروحات والبرامج السياسية ومثريا في معظم الأحيان نفور لا يجد غير العداء بكل مضامينه مبلغا في التعابير والممارسات.
كما يفسّر الحيرة التي تنتاب كل متعقل ومتقبل للخطاب ونافذ لما خلف الكلمات والسطور من شك في أن الوضع أشبه ما يكون بالمجتمعات في تيه هذا الكون الواسع والناس على قارعة كل طريق وزقاق هوياتهم مسلوبة أو بلا عناوين هويات حتى تبيعهم الأحزاب والمتحدثون باسمها خطابا مبتذلا قوامه أنهم أخيار بني البشر وأن الكل يتآمر عليهم ويريد طمس معالم هوياتهم إن من حيث عناوينها الخصوصية أو من حيث أنهم عرب أو مستعربون ومسلمون ويشعرون بذلك ويعتزون به وتسوق نفسها ساعية بكل جدية وحزم للدفاع عن هوياتهم وحمايتها.
نحن وشعوبنا إذن عالقون نتدحرج في غصن الهوية وكل الثمار التي قطفناها من تجاربنا القومية العربية البائدة تدل على أن الثابت الوحيد هو قدرة مختزلي البلدان بمضامينها في شخوصهم كبيرة على التمسك بزمام أمور شعوبهم بما ثكلت به من أسقام لحد تسليمها للمستعمر لقمة سائغة ولا شاذ منهم عن القاعدة بداية من عبد الناصر وانتهاءً ببشّار مرورا بصدّام وحافظ والقذافي وفي ذلك دليل على أن غاية ما يمكن أن نتطلع إليه من نُقص تجارب ساسة ما بعد الربيع العربي وسيوف دينهم مبشرين بدول الإسلام أو الخلافة السادسة وأقفال الحانات باليمين وقوانين التبني بالشمال هو الوقوع في مطبات متجددة قوامها استمرار تساقط بلداننا تباعا في قبضة استعمار القرن الواحد والعشرين السالك لطرقات النظام العالمي الجديد السيارة من فصل الأمم المتحدة السابع ومكافحة الإرهاب وحماية المدنيين.....
هذه ورطتنا اليوم مع الهوية وذاك – في نظري – مبلغ ما يمكن أن نجنيه من ستر سوءاتنا بجلبابها اللهم إن صدقت نوايا ووعود ساستنا الجدد – وهم على دعواهم الأمناء الصادقون – بحماية هوياتنا وابتدعوا للغرض فيالق حرس جديد للهوية تستوعب كل العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا وغيرهم.
زيني محمد الأمين عبّاس
15 نوفمبر 2011
إرسال تعليق