السبت، 3 ديسمبر 2011

عندما يلتقي حكم الميزان والتوافق بسخرية الأقدار

للمتابع لكل تطورات الوضع السياسي في تونس - بلد السبق في ما يصطلح على تسميته بالربيع العربي في جميع أطواره – بخلفية فكرية وسياسية ناقدة أن يسجل العديد من الملاحظات ويكتشف من دلائل الهواية والإبداع ما تكتظ به مسالك مسارب الجهاز العصبي ومواضع تخزين الأفكار في الذاكرة.
والبداية من حيث انتهت أول عملية انتخابية بحملة أشبه ما تكون بالفاترة لا ألوان ولا أهازيج وأغاني ومواكب الفرق النحاسية والمزامير ومثل كل ذلك مما تعج به عادة أزقة وشوارع وساحات بلد يعيش حملة انتخابية ولا غرابة إذا حصل له الوعي بأن الظرف حساس ومقومات توفّر الأمن تقتضي السعي للخروج من وضع لا أساس قانوني فيه لرعاية وتوفير وحفظ الأمن بأقل احتكاك وما قد يتولّد عنه من خسائر.
جرت الانتخابات وأفضت إلى نتيجة الكل يجمع على أنها تعكس تطلعات الشعب والشعب يبقى دائما ذاك العصي على التشكيك في صدق رؤيته وتطلعاته حتى وإن دلت على غير الرشاد ومصدر الشرعية والسلطة التي يتكالب الجميع على الفوز بها وغاية كل تبرر وسيلته مهما ابتعدت الغايات والوسائل عن السياسة كمنهج وضعي لتسيير شؤون المجتمعات البشرية وما يقتضيه من الإقرار بالنسبية والحنكة والتأهيل.
فاز من فاز وخسر من خسر وخرج الكثيرون بأنصاف فوز وأنصاف خسائر وأكبر الخاسرين ذاك الشعب الذي ضاعت أكثر أصواته نِتَفا بين آلاف القائمات ومئات الأحزاب المجهرية، كل هذا موثق ومسجل ولم يعد يهم بقدر ما المهم ما برز في أول اجتماع للمجلس الوطني التأسيسي من دلائل شخوص الأبصار تحت قبة قصر به قرون من تراكم ممارسة السلطة، أبصار لم يكن معظمها يحلم من السعة بغير فناء التجوال المغطى بالأسلاك الشائكة ولسنوات عديدة إن لم يكن لما فات من العمر وارتبطت السعة في أذهان أخرى بتراب الوطن على ضيق مساحته وجَمعت الجميعَ قبةُ قصر باردو في صبيحة يوم الثلاثاء 22 نوفمبر 2011، صبيحة حلم وطن بأكمله وأحلام يقظة لممثليه.
ولن أسجل هاهنا من كل ما جرى والكل يعلمه غير تلك اللحظة التي تجلت فيها الهواية في أبشع صورها في ثوب الارتجال عندما طلب أحد النواب – لإخراج زملائه من مستنقع المشادات التي تجري في قاعات كل برلمانات العالم – قراءة لائحة بأسماء "شهداء الثورة" وقبل الجميع وأذعن في لحظة خشوع لما لمصطلحي "الثورة" و"الشهداء" من حضور الخشية أو الإجلال في الأذهان وخلف أسوار المجلس وكان من الأمر ما كان في جهات قرأت في الأمر مؤامرة وإرادة تهميش جديدة في وقت الكل يصر على أن وضعه مركز الاهتمام وكل العملية وأخرى صادف فيها كل ذلك تعقيد وضع القليل المتاح من فرص العمل بكثير العاطلين والمعطلين من ذوي الشهادات والعمال وزاد الإعلام طينة الوضع بلّة بأن ينام المرء ويصحا على ما تسرّب من مشاورات "الترويكا" والكراسي والصلاحيات......
وأخيرا – وكي لا أطيل – أرى في ما تمخض به صمت المشاورات خلف أبواب اللجان المغلقة من مقترح لما يسمى الدستور الصغير تجليّا صريحا وواضحا لسخرية الأقدار بأن تتجه كل الدلائل إلى أن تسفر الجلسة القادمة للمجلس الوطني التأسيسي عن إقرار مشروع قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية ودخوله حيز التنفيذ في الحال وأن نرى مناضلا يشهد له الجميع بالكفاءة ويذكر له الدقة في وصف ما كان قائما من نظام في هذا البلد بـ"الجملكية" يؤديّ يمين القسم أمام المجلس ليصبح أول رئيس شرعي بعد الثورة، قسم عنوانه الجمهورية ومضامينه – زيادة على المعتاد من الولاء والحفاظ والتفاني – ما فرضته الثورة ودماء الشهداء وكل ذلك محل الاستبشار غير أن سخرية القدر والإبداع وحذق الفكر وما نشر من دقيق تفصيل البنود والصلاحيات في القانون المقترح على صفحات جريدة المغرب لعددها 86 تسمح بالكشف أن النظام المبتدع أقرب ما يكون إلى النظام "الجرلماني" به من الجمهورية ما للرئيس من الصلاحيات وهو نظام دليل على أن وضع ميزان صناديق الاقتراع والحاجة للتوافق والتطلع أو التعطّش لممارسة الحكم مقومات إبداع من نوع ما وهو إبداع على غرار كل ما لتونس من سبق في أطوار الربيع العربي تونسي بامتياز.
هنيئا للشعب التونسي ولثورته إذن بنظام "جرلمانيته" والأمل كل الأمل أن لا يكون هذا النظام بنفس مخرجات النظام "الجملكي" البائد الذي طالما تفنن الرئيس في فضح مساوئه بكل جرأة ودقة ووعي.
زيني محمد الأمين عبّاس
03 ديسمبر 2011
إرسال تعليق