الثلاثاء، 24 يناير، 2012

مقترح فكرة مشروع تنمية محلية جادة وواعدة

أمام ما يبدو عليه حال الوضع الاقتصادي من انسداد في الآفاق تولده العقبات البنيوية والهشاشة الهيكلية وانهيار الدولة وحرج تخبط القائمين على الشأن العام في مساعيهم الهادفة لتلبية مطالب مجتمعية عالية السقف للحد الذي تقف حتى أكثر المنظومات الاقتصادية صلابة أو تلك المعتادة على حسن إدارة الأزمات عاجزة أمامها خاصة في ما تعلّق بمطالب توفير مواطن الشغل والشغل بشروط موصوفة تحديدا بما يميّز الوظيفة العمومية من امتيازات وضمان في مجتمعات العالم الثالث، أمام هذه الورطة التي تتخبط فيها مجتمعات الربيع العربي بصفة عامة والدولة والمجتمع التونسي بشكل خاص يسعى الفقير إلى ربّه (الكاتب) إلى الإسهام في الجهود الرامية للتفكير في مشاريع تلمّس طريق الخروج من هذا الوضع بأقل الخسائر وتقديم أكثر الأفكار مظنة لتحقيق أفضل النتائج.
هذه الأفكار التي أنتوي اقتراحها نابعة من مستوى وعي متقدم وبدرجة كبيرة من توخي الموضوعية في تشخيص أزمات اقتصاديات بلدان العالم الثالث عموما وبلداننا العربية والإسلامية بشكل خاص قبل وبعد الربيع العربي. تلك الاقتصاديات التي جمعت لعقود متتالية بين تناقض ادّعاء الاستقلال والتفنن في التغني به وتمجيده والمزايدة على الشعوب بحمايته وصيانته وبين التبعية الاقتصادية الهيكلية والرضوخ لإملاءات مؤسسات النقد الدولية والدائنين في سبيل استدامة تمويل أنظمة الفساد المالي والإداري والتسلّط على حساب مصالح الشعوب وارتهانها وتبذير كل ثرواتها الطبيعية ومقدراتها الاقتصادية وما كل ما نعلمه جميعا من تفويت في مؤسسات الإنتاج وتقليص في حجم الوظيفة العمومية وإبقاء دور الدولة مقتصرا على الحراسة والجباية والتسلّط والمنّ بيسير الإنفاق على الخدمات كالصحة والتعليم والتبجّح بتحقيق مظاهر تنمية المؤشرات من نسب نمو ونحوها سوى الميزة التي تشترك فيها جميع الأنظمة البائدة أو المحتضرة على اختلاف المجتمعات والدول.
 أمام ما نحن فيه اليوم وحيرتنا في كيفية الخروج من حرج الوضع أقترح الأفكار التالية:

-    التأسيس على منهج الجرأة السياسية ومواجهة الرأي العام بأسلوب تصويبي نقدي لكل ما يتردّد صداه من مطالب لا عقلانية ولا منطقية في الأوساط الشعبية قوامها فكرة أن الدولة في جهازها الرسمي ملزمة بتوفير مواطن الشغل للجميع بمعنى استيعابهم جميعا في منظومة الوظيفة العمومية وحالا. وهذه خطوة يعيقها بالدرجة الأولى الطبيعة الحزبية للسلطة المسؤولة عن تسيير البلد في المرحلة الراهنة وزواج متعة السلطة العرفي الرابط بين مختلف مكوناتها وما يتحتم عليها بموجبه من مراعاة مخاطر اتخاذ بعض القرارات الجريئة أو تبني خطاب غير شعبي خاصة في ظل بقاء بعض منافسيها السياسيين – بخيارهم - خارج دائرة تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وما يمكن أن يكون لهذا الوضع من نتائج مستقبلية. وضع ما كان ليكون لو نفذ السياسيون جميعهم إلى أن المرحلة استراتيجيا مرحلة حكومات تقنية أو فنية لا يرجو من يتحمل المسؤولية فيها مستقبلا سياسيا بعينه بقدر ما يدفعه حسه الوطني وأهليته المحققة لخدمة بلده في ظرف حساس وصعب، غير أن هذا ما لم يتحقق وما لم يعد يفيد تضييع الوقت بالخوض فيه كثيرا.

-         أن تقوم الدولة ممثلة في فروع الخزينة العامة (القباضات المالية) بمراجعة نزعتها الجبائية شبه الحصرية في تعاملها مع الباعثين الخواص لمشاريع التكسب الفردي أو المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأن يتم صياغة منظومة قانونية في الغرض تنصص على حدّ ثابت أدنى من الأداء على المعرفات الجبائية القائمة أو المحدثة مستقبلا وتقرّ محفزات مغرية لتشجيع كل من يثبت نجاح مشروعه في إنتاج وتنمية رأسماله أو من يطوره للحد الذي ينتقل به - على سبيل المثال لا الحصر - من مشروع تكسّب فردي إلى مشروع يستوعب يدا عاملة قلت أو كثرت ومن أساليب التشجيع التي يمكن اقتراحها توفير ضمان الخزينة للقروض التي يتطلع من يثبت نجاحه إلى الحصول عليها من المؤسسات البنكية أو من خزينة الدولة أو الهبات أو الإعفاءات الضريبية.....

-         أن تلتزم الدولة بدفع معاليم الضمان الاجتماعي لكل من يبعث معرفا جبائيا جديدا لمدة زمنية بين ثلاث أو خمس سنوات حتى يشتد عود مشروعه وفي ذلك دعم للصناديق الاجتماعية وإسهام في تشجيع الباعثين وتوجيه للأموال العمومية حيث تكون الحاجة إليها ماسة في تحقيق التوازن الاقتصادي وبالقدر الذي يشعر فيه كل المستفيدين من هذا الإجراء أن الدولة تسهم في بناء مستقبلهم وتحقق تطلعهم للاستفادة من المال العام على قدم المساواة مع من حظوتهم في الاندماج في الوظيفة العمومية قائمة.

-         فتح باب التوظيف في الممثليات المحلية للخزينة العامة (القباضات) للمتساكنين الراجعين إليها بالنظر بالدرجة الأولى ولمتساكني محيطها الجغرافي بالتدرج بعد ذلك وفق معادلة وظيفة إضافية لكل مائة معرف جبائي محدث مثلا يكلّف المستفيد منها بمتابعة أصحاب تلك المشاريع بالنصح والإسناد والتوجيه وجمع وتبويب كل ما تعلّق بها من معطيات المعاملات المالية وتطوّر الإنتاج وتستخدم تلك البيانات لتحديد مدى مشروعية الاستفادة من التحفيزات المقترحة أعلاه.

-         ابتداع منتوج جديد في هذه القباضات قوامه صناديق مالية لدعم التشغيل وإنشاء المشاريع يفتتح الإسهام فيها للعموم مقابل قصاصات مرقمة تشبه الطوابع الجبائية تستخدم لتدعيم ملفات الترشح للوظائف العمومية في عديد المجالات كعامل حسم في بعض حالات التساوي في الشهادات والمؤهلات وإتباع الشفافية في المناظرات ودور قصاصات الإسهام في الفصل بين المتنافسين مع الإشارة إلى أن أوجه الحصول على هذه القصاصات يمكن أن تكون بالإسهام المباشر أو عن طريق هبات المسهمين بها لفائدة المعطلين والباحثين عن العمل.

-         وضع هيكلية اقتصادية في كل جهة قوامها الترخيص للمختصين في القانون والمحاسبة من حاملي الشهادات العليا ببعث مكاتب مختصة لتوفير الخدمات لأصحاب المشاريع المحدثة ووضع إطار قانوني منظم لكل ذلك بناء على عدد ما يتم بعثه من مشاريع تكسّب فردي أو مؤسسي مع الإشارة إلى ضرورة توفير الدعم المادي لهؤلاء ومتابعة وتوجيه نشاطهم بالتعاون مع ممثليات الخزينة العامّة.   

-         تشجيع وتوجيه حاملي الشهادات العليا من أصحاب مؤهلات التدريس في الجهات لبعث مؤسسات تكوين مهني خاصة تموّل في جانب كبير من رأسمالها بمبالغ تخصصها الخزينة العامة لكل المندمجين في هذه المؤسسات وفق إطار قانوني واضح ومفصل إضافة إلى إمكانية إسهام المستثمرين الخواص في بعث هذه المؤسسات. وأقل الفوائد الآنية لمؤسسات التكوين هذه توظيف عديد المعطلين من أصحاب الشهادات الجامعية والإسهام في تكوين الذين لم يسعفهم الحظ في مواصلة مشوارهم الدراسي من العاطلين عن العمل أو تأهيل العاملين في مجالات التقنيات الحديثة والمهارات اليدوية الأخرى.

-         استخدام جانب من الأموال التي تجمع في صناديق دعم التشغيل لتمويل مشاريع صغرى ومتوسطة لصناعات تحويل المنتوجات الفلاحية المحلية في كل الجهات إضافة إلى تشجيع أصحاب المشاريع الفلاحية القائمة أو المحدثة على الإنتاج في خطوة واعية بضرورة خلق نوع من التكامل الاقتصادي تكون الدولة عبر فروع خزينتها العامة موجهة ومنظمة له وضامنة بثقلها وبما تسنه من قوانين في الغرض لتحديد علاقات فرقائه المختلفين.

-         سن قوانين تنظيمية واضحة ومفصلة لمختلف القطاعات الاقتصادية خاصة التجارية والخدمية منها تكون مرجعا لأصحاب المشاريع منظمة لعلاقاتهم فيما بينهم وأساسا تنظيميا للهيئات الخاصة المشرفة والمديرة لكل قطاع على حدة للانتقال تدريجيا من حضور الدولة بما لها من بيروقراطية حاضنة في كثير من الأحيان للفساد وسوء التسيير إلى الهيئات القطاعية والنقابية لكل قطاع على حدة كمشرفة ومنظمة وساهرة على تطويره.

هذه بعض النقاط العملية الواضحة والبسيطة يسهم بها معطل عن العمل منذ أكثر من خمسة عشر سنة بقرار عقابي عنوانه الخفي تهمة تعاطي وفهم محظور قديم اسمه السياسة ومنهج نقدي متجذّر ويبقى باب نقاشها وإثرائها مفتوحا لكل أصحاب النوايا الحسنة والأمل كل الأمل أن يكون التعاطي معها على أنها رغبة في الإسهام في التفكير في البحث عن حلول لا غير والله ولي توفيق الجميع.

زيني محمد الأمين عبّاس

24 جانفي 2012
إرسال تعليق