الأحد، 12 فبراير، 2012

ربيع يزهر أم ريع غاية؟

المتابع لـ"لربيع العربي" بمختلف تطوراته بداية من الاحتجاجات الاجتماعية التي أشعلت الفتيل مرورا بصبغة المفاجأة والعدوى والعنف بمختلف درجاته وأشكاله وما يتضمن من فظاعات مقززة وجرائم ضد الإنسانية في بعض الحالات تتولّد لديه القناعة بأن هذه الشعوب التي عانت أشدّ ما تكون المعاناة من أنظمتها الدكتاتورية المقيتة تشترك في ميزات متعددة منها:
أنها تخلّصت من قيود الخوف وكسّرت حواجز محظور اسمه اختزال الدول بكل مضامينها في أشخاص رؤساء جلهم دون مستوى الأهلية وحتى الذكاء الذي قد يُقبل مبررا لسرمدية حكمهم بل وإن بعضهم على درجة كبيرة من الابتذال والسخافة الباعثان على التساؤل والحيرة أمام مفارقة سرّ كونهم كذلك وبقائهم هذه المدد كلها يسومون شعوبهم سوء العذاب يذبحون منها ويستحيون ويشرّدون ويستبيحون حق التصرّف المطلق في مقدراتها ويفرضون شخوصهم ممثلين لها مغيبين لإرادتها عند التعامل مع العالم بأسره.
أنها أجمعت على التطلّع بمختلف أطيافها السياسية البازغة من تحت ركام التهميش والإقصاء والإهمال للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والإصلاح ومحاربة الفساد..... وبقيت على مستوى التطلعات حيث لم تتحوّل الحرية في العقول من عنوان المطلبية المزايدة إلى ممارسة حقيقية بموجبها تفتح أبواب العمل السياسي على مصراعيها لكل فئات المجتمع مما يولّد الأمل في أن إشاعة متابعة والاهتمام بالعمل السياسي قد تفرز قادة رأي ونخبا سياسية مؤهلة في المستقبل يعوّل على أن تكون مؤتمنة على المصالح وقادرة على طلبها بالتطوّع والإنابة.
أن عقلية التوكل والتعويل على أن خدمة الجميع مسؤولية النخبة المتحكمة في الدولة وجهازها ما تزال هي الثابت الوحيد الراسخ في العقول وفي ذلك تأكيد للنظرية الجازمة بأن ما يميّز البشرية في طابعها المجتمعي الجمعي يتطلّب تغييره مدّة زمنية طويلة بعد توفّر الوعي بضرورة التغيير والإرادة الجادة والمثابرة على بلوغ مستوى ذلك التغيير.
أن القناعة باتت حاضرة في أن شيئا لم يتغيّر بعد كل ما حدث بحلوه ومرّه، وهذه القناعة عبّر عنها أحسن ما يكون التعبير العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مبدأ "المغلوب مولع بتقليد الغالب" وقوام ذلك أن ما حدث يتلخّص في تغيير الحاكم وبقاء الحكم بنمطه وقذارة ممارسته وابتذال الحكّام وتبدلت من حول الحكم بكل تلك الميزات المواقع لا غير.
أن الحاجة باتت ماسة للتصدّي بوعي ومنهجية لمفاهيم الكفاح والنضال والتضحيات وما يسوق باسمها من النوايا الخفية للتسلّط والتفرّد بالسلطة والاستئثار بريعها وبالمناسبة مصطلح النضال – من بين هذه المصطلحات كلها – في مثل فوضى السياسة والفكر الذي تعيشه مجتمعات "الربيع العربي" مصطلح صدق يراد به باطل: فقلة قليلة هي من كانت تناضل بوعي وبعناد وهي توصف اليوم في تونس مثلا بجماعة الصفر فاصل أما أولئك الذين كان بن علي يختارهم ويختصهم بمجرّد التهم بالعذاب والسجون والتنكيل والتعدي على الحرمات والأعراض ليكونوا عبرة لمن يعتبر فلم تكن لهم أساليب نضال إرادية وواعية تذكر اللهم ما وجب الإقرار به للجميع من معاناة هم أصحاب نصيب الأسد منها. وعندما انهارت الدولة التي كان بن علي بشخصه يختزل كل مضامينها على رؤوس كل من فيها تنادى الجميع واختلط حابل المناضل بنابل المطبل والمعاني والمتخفّي وأصبح الجميع ثوريون ومناضلون جاؤوا بالثورة والحرية والكرامة وكانوا في الصفوف الأمامية وكلهم قالوا "لا" ولا يعرف كثيرون منهم حتى معاني مصطلحات الكفاح والتضحية والنضال وهذه مأساة المجتمع إضافة إلى أن البضاعة التي كان يسوقها هذا باسم الحداثة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ودولة القانون والمؤسسات.... بجلباب وهيأة المهرج المدعوم من الغرب في عهد بن علي غير رائجة في مجتمع يزق بسذاجة الهوية والدفاع عنها وصيانتها وتنميتها وحمايتها...... وبساطة تفسير مآسي وآلام الناس وإخفاقات الساسة بالابتعاد عن دين لا يعرف الكثيرون منه غير الاسم أو أشكال مميزة بعينها معهود بعضها وغريب البعض الآخر يراد لها أن تكون دالّة على التقوى والورع والاستقامة والجميع يشترك في خلفية فهمه للسلطة وإدارة المشترك في معناها السلبي لما كان يسلّط عليه في عهد الدكتاتور وأقصر طريق لمفهوم السلبية رياضيا هو تغيير الإشارة أي ذلك الذي تبقى في نهايته السلطة كما هي ويحل "المناضل" محل الجلاد.
هذه أفكار خلاصتها الحيرة المصاحبة لما نحن فيه من مفارقة التطلع لأزهار الربيع بكل ما لها من معاني الأفضل مما كنا نعيشه ولعقود متتالية ونتعايش معه كل من موقعه بمنهج نضاله أو تخفّيه أو قدر وقوعه ومعاناته وعتمة الأفق الذي ترتسم ملامحه مع ما نستطلعه كل يوم من الوقوف على دلالات أن ريع السلطة كما عهدنا ما يزال هو مُسيل لعاب النخب بمختلف اتصافها وهو الهدف والغاية وزيف ما تدّعيه من أهلية إدراك مصالح الناس وطلبها.
زيني محمد الأمين عبّاس

12 فيفري 2012
إرسال تعليق