الجمعة، 23 مارس، 2012

جدل السذاجة حول الشريعة والدستور

إذا كانت الشريعة الإسلامية نصوصا مكتوبة واضحة وجلية ومتّفق على أنها هي هذه يمكن أن تناقش فكرة  أن تكون مرجعا للدستور أو لا أما إذا كانت الشريعة الإسلامية - كما نعرف جميعنا ونحجم عن التصريح بذلك - اسما بلا مسمى فإن إقحامها حيث الحسم القاطع مطلوب يعد تأسيسا على الضبابية ويمكن أن يكون بابا واسعا لهيمنة متنفذين باسم الدّين - معظمهم دون أهلية قراءة الدّين أو حتى فهم الحياة - على الدولة وعلى المجتمع.
الدين الإسلامي كغيره من الأديان علاقة بين العباد وخالقهم وحق كل فرد في تقدير مضمون علاقته مع ربّه حق ثابت وبديهي والدولة إطار دنيوي يجمعهم يجب أن يترك لهم أمر اختيار منهج وأسلوب إدارته وتسييره برؤاهم النسبية دون أي وصاية وإنما وفق آليات متعارف على أنها موضوعية يختار بموجبها الشعب ممثليه ويوكل لهم مسؤولية السهر على تبصر مصالحه وطلبها في غيابه بالتشريع وبالإدارة.
ما يرجى من الدّين في الدنيا يتحقق في نسيج المجتمع سواء من حيث هو قاعدة توازن وضرورة بشرية أو من حيث هو مصدر منظومة قيمة فاضلة تهذّب شرارة النفوس وتوفّر أرضية ملائمة للتعايش وما يرجى منه في الآخرة راحة للنفوس لا سبيل للتحقق منها في الدنيا وإنما هي محصلة حساب فردي على أساس المسؤولية المترتبة على نعمة العقل ومدى حسن استخدامها في الدنيا في ما يرضي الله ويجسّد الإقرار بربوبيته.

السياسة – على عكس الدين – هي مناهج وأساليب إدارة وتسيير علاقات بني البشر في الإطار الزماني والمكاني الوحيد الذي يجمعهم (الدولة) ويحتم عليهم التخطيط لتحقيق مصالح موصوفة بالتقدم والتنمية والرفاهية والازدهار كل من الزاوية التي يراها أو تمليها عليه منظومة فكرية بعينها وقاعدة إقرار كل ذي مرجع فكري أو سياسي بنسبية الطرح الذي يتبناه هي أساس التعددية ومظنة جني ثمار الاختلاف المشروع في الأفكار والآراء لبلوغ أو للإحاطة بتعقيدات الحياة.

السياسة لا ترمي تحقيق أهداف ماورائية ويعيبها أن تبحث عن المصالح الضيقة وإن تبنت خطابا ثماره عند الله يوم القيامة تكون مغالطة ومزايدة وأقرب للخداع منها للأهلية في تبصر المصالح وطلبها.

والدستور بالتعريف نص وضعيّ يصاغ بحيادية ووضوح ويقرّ وفق آليات محددة يكتسب بموجبها صبغة الحكم بين الناس والمرجع الذي يفصل بينهم عند الاختلاف بدرجة كبيرة تعيق ضرورة الحسم القطعي في مسألة أو في مسائل ما.

الدستور يجب أن يكون نصا معلوما وجميع مراجعه كذلك وإن أقررنا بمرجع يلفه الغموض في الشكل أو في المضمون أو في إمكانيات التأويل يكون تأسيسنا بينا للجدل البيزنطي المعيق لإمكانية النجاعة في بلوغ الأهداف التي ترجوها الشعوب من آليات أساليب إدارتها وتسييرها المعتادة (السياسة) وندخل في متاهات المزايدة والحجاج العقيم بشمولية الدين لكل جوانب الحياة رغم أن الحياة سابقة لكل دين ولا تناقض بينها وبين تعدّد الأديان وحصرية الحكم لله وحده رغم أن الدولة يحكمها ويديرها بشر وبمؤهلات وأدوات بشرية وصلاح الدّين لكل زمان ولكل مكان رغم أن الدولة ثابتة الحدود وتشارك غيرها من الدول صيرورة الزمن..... ونخرج بذلك عن المقاصد من السياسة وآلياتها ونصبح أمام خيارات تقابلية ضيقة من قبيل أن نوقع على بياض لكل ذي تأويل ورأي قد يلفهما الغموض أو نصفّف مسلمين وكفّارا، أتقياء وزنادقة، عبدة الله وأتباع رسوله صلى الله عليه وسلّم أو عبدة الطاغوت وأتباع آمريكا والغرب......

أظن مصالحنا بعيدا عن كل هذا أن نبقي الدّين دينا مقوّم وحدة واتفاق ونرجو فوائده وأن لا نحاول التهرب من عيوب تأهيلنا السياسية التي يمكن تداركها بالدربة ومع مرور الزمن بابتداع سياسة منزلتها في الثبات منزلة الدّين أو أن تصبح السياسة دينا لنا عن الإسلام بديلا.

زيني محمد الأمين عبّاس

23 مارس 2012
إرسال تعليق