الثلاثاء، 10 أبريل، 2012

9 أفريل 2012 وحدة الرمزية واختلاف المضامين

لن أكون قطعا في هذا المقال في وارد أن أقحم نفسي في خضم قراءات المنابر الإعلامية التي لا أدعا لها بطبعي ولا يستهويني منها غير طابعها الفرجوي أحيانا وقليل المزحة ومتعة الضحك الذي فيها وإنما عهدي بما عهدت عليه نفسي من نظرة الحذق وخلفية النقد البناء ومساعي العدل بين مختلف الفرقاء أحق أن أحترمه وأحترم نفسي به.

كما لن تكون قراءتي لأحداث 9 أفريل، كعنوان موثق، من زاوية تبويبها التاريخي خوفا من أن تطغى على منهجي مواقف ربِيبِ التاريخ الذي أكون والذي لا يحبّذ أن يبرز لزوج إكراه أمه (الجغرافيا) غير العيوب باستحضار ما لا يفضل أو لا يحب الآخرون رؤيته أو قراءته.
أحداث هذا اليوم أريد هنا اختصارا أن أراها من ثلاث ساحات متمايزة أساسية هي أولا ساحة شوارع العاصمة الكبرى وساحة النصب التذكاري للشهداء بالسيجومي ثانيا وساحة 9 أفريل بالمرتبة الثالثة والأخيرة.
والإشارة بداية إلى أن وحدة الرمزية في كل هذه الأحداث صلتها بالتاريخ وتخليد ذكريات الماضي الراسخة في الذاكرة الجمعية للمجتمع وأن مصدر الاختلاف الصارخ في المضامين مرجعه ما تشهده الساحة السياسية من تجاذب ظاهره صحّي وباطنه تجلّ لكل مضامين المثل الشعبي القائل "إلي موش مستانس بالبخور يتحرقو احوايجو".
في الساحة الأولى:
أي ساحة الشوارع الكبرى للعاصمة وخاصة شارعي محمد الخامس وشارع الحبيب بورقيبة حيث كانت نزعة إسقاط الواقع الذي نعيشه اليوم على تاريخ لم يشهد أحداثه من فرقاء أهل هذا الزمان إلا القليل وعلّة المُسقطين لهذا على ذاك صلة الشبه في مضامين معطاة قوامها مفهوم "الشهادة" وما له من معاني لصيقة بالنضال وبالتضحية والإجلال والتخليد والثناء... وما به من تجاوز محاذير كثيرة أخرى تقود بالوعي المفرط لمختصرات تؤدي للمزايدة وتسويق خطابات لا عقلانية ولا منطقية ورجم بالغيب دلائله الغياب التام لأساليب التمني والتضرّع والرجاء لكل الضحايا بالرحمة والقبول أو التقبل ضمن الشهداء. وفي هذه النقطة الأخيرة يشترك الجميع على اختلاف المشارب والمرجعيات السياسية والمواقع من كل المسؤوليات ومن كل الأحداث.
وما يمكن أن يُعقِّب به المتابع مثلي لكل أحداث هذا اليوم في هذه الساحة يتلخص في الإشارة الموضوعية إلى أن الجميع محق في جوانب وغير محق في أخرى:
فرمزية الساحة خاصة شارع الحبيب بورقيبة في أحداث الربيع العربي وبالنسبة للتونسيين جميعا بالحجم الذي يمكن أن يفسّر الإصرار على التواجد به في مثل هذا اليوم لتخليد ذكرى أحداث 9 أفريل التاريخية غير أن مقصدَ تحدّي معظم أطياف المعارضة وبما يلاحق جُلّها من صفات التقزيم المبطن الذي يكاد يكون محور خطاب ركائز السلطة مقصدٌ واضح وجلي ويمكن أن يبرّر هو الآخر الحشد والحشود والتدجيج والإصرار لفيالق رجال الأمن ورمزيات متناقضة ومتشابكة أخرى أقلها عنوان وزارة الداخلية والحبيب بورقيبة مقرها وشخص الوزير المحترم وخلفيته الحزبية وسابق مباركته لأنصاره بالتظاهر هاهنا وخروجه فيهم ونضال معاناته حيث هو اليوم بالتحديد وحيث موقعه من الأحداث.
وجوانب وجاهة خطأ المواقف لكل الأطراف بينة هي الأخرى وتهرّب كل طرف من تبيانها في وجه الطرف الآخر على منابر الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي هو دليل إثباتها بالحجة والدليل، إذ بديهي أن وزارة الداخلية والحكومة عموما في بلد يتطلّع إلى أن يكون ديمقراطيا بعد كل ما لحق بأهله من أحداث ومآسي تُخلّد وتُعاش ليست مصدرا البتة للقوانين وإصرارها على أن ما قامت به من عنف لتفريق المتظاهرين تطبيق للقانون في غير محله وكل ما في الأمر أنها اتخذت قرارا في إطار صلاحياتها المؤقتة ولا يمكن لهذا القرار إلا أن يكون كالصفة مؤقتا وقصير القيد في الزمان وفي المكان وواجب رجال الأمن إنفاذ القوانين وليس القرارات ولو رامت وزارة الداخلية السلامة في مواقفها لاستصدرت قانونا من الهيئة الوحيدة المخولة اليوم بإصدار القوانين أي المجلس الوطني التأسيسي ونشرته في الرائد الرسمي وتمترست خلف تطبيقه ولو بالاستعمال المفرط للقوة.
أما دلائل خطأ المواقف بالنسبة للطرف المقابل فجلية هي الأخرى وأقلها قواعد اللعبة الديمقراطية ذاتها وأخلاقياتها إذ التظاهرة محل ترخيص لم يرد فيه لا نصا ولا بدلالة إمكانية تأويل أن يلج المخلدون لهذه الذكرى بلاط أو أرصفة شارع الحبيب بورقيبة وبداهة الفهم وحدها تكفي للنفاذ إلى أن التظاهر الذي هو – في هذه المرحلة على الأقل – استطباب جماعي لمجتمع وحده الله يعلم كم هو بحاجة للإستطباب ولطلب الشفاء من كل جراح ومآسي الماضي القريب والبعيد لا يعني بأي شكل من الأشكال أو معنى من المعاني استفزاز رجال الأمن لا بالقول ولا بالإشارة ناهيك عن الفعل والإيحاء ومنهج الحرص في نظري على أن تكون كل مناسبات التظاهر قاعات دروس مفتوحة لتعلّم أساليب التعبير الحضارية السلمية والملتزمة والهادفة لدقة التعبير وإرسال الرسائل الواضحة هدف ما يزال بعيد المنال.
ولو كان لي أن أقترح حلا يجنب الجميع حرج الارتجال الذي يقود دائما للصدام لقلت إن الأسلم كان أن يكون قرار وزارة الداخلية بدل منع التظاهر في هذا الشارع البتة بتخصيص فضاء وسط الشارع بين صفوف الأشجار للتظاهر المنظم والمنضبط والمحدد زمنيا بساعة أو بساعتين هي كل المتاح من بداية كل تظاهرة إلى نهايتها وعزله من الجانبين في أوقات التظاهر بجحافل رجال الأمن وتجهيزاتهم في اتجاه مخارج انسيابية في بقية الشوارع والساحات المجاورة واستخدام صلاحياتها وسلطتها وبيروقراطيتها الإدارية للتقليل من التراخيص وأساليب التواصل والدعاية المختلفة  لتوعية الجماهير المتظاهرة – هي وكل من ينظم أو يدعو للتظاهر – قبل وأثناء وبعد التظاهر.
في الساحة الثانية:
أي ساحة النصب التذكاري للشهداء بالسيجومي حضر ثبات الذكرى بكثير من الاختلاف يبدأ بثلاثية الرئاسة بدل صنمية المخلوع وخصلات شعره شديدة السواد التي كان نسيم سبخة السيجومي في كل مناسبة يضرب معها موعدا لمداعبة يُحرم منها نسيم قرطاج ويخلدها الإعلام بكثير من التركيز والتكرار وحضرت كذلك كراس غير معهودة في المناسبة يُفسِّر حضورها ربما التطلّع للديمومة في وضع المؤقت الذي نحن فيه أو رمزية الكرسي ذاتها في خلفية الفكر السياسي للمرحلة وحضر كذلك خطاب مشفّر غير معهود هو الآخر ذكّرنا شكلا ومضمونا بخطاب في قصر قرطاج كان العلم ورمزية التعدي على حرمته موضوعه وبفارق أن مُخاطِبَ الأمس مُخاطَبَ اليوم لم يكن كما في الخطاب الأول بعيدا بل على كرسيّه وفي الصف الأمامي.
ورغم أن محيط ساحة الشهداء شعبي وبه من دلائل خيبات الأمل والحرمان من غنائم الكراسي ما يفترض أن يحث القائمين على تنظيم التظاهرة على أن يتم التخليد بأسرع من صفة المؤقت بقليل بوضع أكاليل والانصراف أو أن يكون زمنيا خاطفا على نحو التخليد للذكرى بتلاوة الفاتحة على أضرحة بمقبرة الجلاز فقد طال التخليد وكان على رجال الأمن مرة أخرى بذل الجهد المضني لحماية مراسيم التخليد ومواكب المخلدين الرسمية.
في الساحة الثالثة: (ساحة أنقاض السجن المركزي بـ9 أفريل)
كانت العفوية والبساطة ووحدة القواسم المشتركة وغياب ثقل وتكلّف صفة الرسمية مبعث الهدوء والسكينة إلا أن هذه الساحة من بين ساحات تخليد ذكرى الشهداء لسنة 2012 المختلفة تبدو – رغم ما لها من صلة الشكل بالذكرى – أغرب الساحات وأكثرها دلالة على مُحدث المضامين حيث تنادى العديد من مناضلات ومناضلي حركة بعينها للوقوف على أطلال معاناة النفوس والأجساد التي مرت عليهم في موقع الحدث والتعبير – وهم محقون في ذلك دون شك – عن رغبتهم في تخليد ما قاسوه من ضروب التعذيب والحرمان في هذا المكان وعن وفائهم لأرواح من من أصدقائهم وأهلهم وذويهم لم تسعفه لا الدكتاتورية ولا الحظ في الوقوف على هذه اللحظة والتمتع بطلاقة السير على تلك الأطلال وهم بشكل أو بآخر عندهم شهداء وتستحق ذكراهم أجل من التخليد غير أن ما تفضحه الفطنة من المقاصد خلف الخطاب يكشف عن مضمون آخر قوامه رسائل للأخلاء مشفّرة وذات مضامين التعبير عن مرارة الشعور بالحرمان - في زمن يكافأ فيه رصيد المعاناة بالمناصب وبالمسؤوليات وبالكراسي – من مجرّد كُريسي  ولو لدقائق قليلة على هامش ساحة تخليد ذكرى الشهداء في ساحة أقرب جغرافيا لمعظمهم من ساحة خالية رمزيتها الوحيدة أنها كانت يوما زنزانات خلف أسوار عالية لسجن اسمه سجن 9 أفريل المركزي جمع الجميع وهدّ وأزيلت أنقاضه قبل أحداث الثورة وحرية التظاهر والتخليد.
زيني محمد الأمين عبّاس
10 أفريل 2012

إرسال تعليق