الاثنين، 2 أبريل، 2012

ربيع "التشاؤل" أو "التفاؤم" العربي

ثارت الشعوب العربية وهرب من قادتها من هرب ولجأ، وتنحى من تنحى وسُجن، وأُجبر على التنحي من أجبر وتحصّنَ، وقاتل بدموية وعناد من مات ومن لا يزال يقاتل على أمل أن يصمد على خُطى دمويّة أبيه كما ورث عرشه ورقاب شعبه ولا تزال المذابح ترابط على باب قصره، يرسلها في أزقة وشوارع مدن وقرى منظوريه وفي المزارع تحصد من أرواح المدنيين العزل من كُتب عليه الموت ومات، وتصيب من ينقل للمستشفيات فيُقتلَ أو يبقى في بيته ليموت نازفا بين أهله وذويه ويسوّقُ الرئيس ونظامه وإعلامه أضحوكة العصابات المسلحة خوفا من ذكر الانشقاق ويزيد على خرافة العصابات المؤامرات من كل لون وطعم ورائحة ويتغنى بالصمود والتحدي ويتناسى ما كان يحلو له من فخر الاستفراد بصفة الممانعة ودعم المقاومة التي أصبح في أمسّ الحاجة لأن تدعمه ولم يبق في فلكه منها غير من لا مصير ولا أفق يرجو خارج بقاء نظامه.
بدأ الكدر في الشتاء وتعكّر صفو جوّ الدكتاتوريات تباعا وسُجّل عن كل دكتاتور قوله لستُ كفلان خلّ أو غريم الأمس القريب وليس بلدي كبلده، تشابهت الأقوال واختلفت المسارات قليلا وانقسم الناس جميعهم تقريبا بين الحائر في أن يكون متفائلا والتشاؤم يعكر عليه صفوة باله ومن لا يملك إلا أن يكون متشائما رغم دفين الجنوح الفطري للتفاؤل الذي فيه وتلازم المصطلحان وأثريا وألهما ملكات إبداع الأشكال المختلفة الدالة على النتيجة الواحدة:
مرارة الحنظل في حناجر الزعماء وحواشيهم والمتنفذين في بلاطهم بفقدان ريع السلطة ومعه سطوة السلطان وشدّة وقع الخوف من ذاك المصير أمرّ من تجرّعه وكابوسَ أحلام من لا يزال مستميتا للدفاع عن سلطانه ونشوة النصر بطعم زائف العسل في مخيال شعوب مستقبلها رغم ما يراد أن يكون له من أسس الاستبشار والأمل – والربيع دلالة طلب ذلك – سوداويُ وواقعها كالمستقبل يرتع في عتمته هواة السياسة وتجّار مصائر الغيب من كل الأصناف وهوامشُ الحلول بدأت تتكشّف ضيقة ضيق آفاق واقع تخيّم عليه غيمة يأس تظلل أحلام كل الذين تطلّعوا بكثير من الأمل إلى أن تكون المرحلة آخر نفق أوضاع مجتمعاتهم الصعبة وما عهدوا فيها من البطالة والظلم والجور والتهميش والحرمان.

مضى شتاءان وبيع وما يفصلهما من بقيّة الفصول وها هو الربيع الثاني يمضي وما تزال دماء العرب ولونها والرائحة ورود المشهد، وطعمَ الدماء لذّة يُدمن عليها من بقي من زعماء أنظمة ما قبل الربيع في بلد، و محاربي زعيم آخر أهدر متعة أكثر من أربعين ربيعا في سويعات أطيب ما فيها اختباء في مجاري المياه الآسنة قبل لقاء مع من كان يطيب له أن يسميهم بالجرذان وما يزالون بعده يحملون السلاح ويفضّلون لغة الرصاص والموت والنعرات الجهوية والقبلية على وحدة الصفّ وهدوء الحوار وسحر بلوغ المصالح في كنفه وما خفي من مُخبّأ السلاح ومُضمرِ سبق الإصرار والترصّد في بقية المجتمعات التي تبدو ظاهرية الاستقرار قد يكون أكثر فاعلية على محدوديته في قلب أوضاعها رأسا على عقب وفي سرعة البرق.

وضع المجتمعات في فترة المخاض هذه وما به من سمات التأزم ودلائل التدحرج نحو مزيد السوء يندرج ضمن مسار حياة بني البشر في كل جوانبها وتعقيداتها وما بالبشر يتغيّر ويمكن أن يكون تغييره بفعل البشر أنفسهم وبمناهج التخطيط الذي يتماشى طرديا مع مستويات تأهيل ووعي ودربة ومراس النخبة السياسية.

ورغم أن التاريخ البشري حافل بالتراكمات الحضارية وبنماذج الإدارة والتسيير المجرّبة والفعالة فإن بوادر حلحلة أوضاع الشعوب العربية والإسلامية تبدو صعبة لأن النسخ في هذا المجال متعذر لأسباب عملية وموضوعية راسخة الجذور في المواقف المسبقة والتعصّب والحمية لعناوين فوقية ومحل اتفاق في اللاوعي الجمعي كالهوية والدّين أو في التاريخ كموروث الصراع مع القوى الاستعمارية والتحرّر وأنشودة الوطن والبناء والإصلاح ومكافحة الفساد......

ربيع العرب والمسلمين ما يزال في نظري أقرب ما يكون إلى لعنة اسهامهم – كل من موقعه - ولعقود متتالية في ديمومة حكم قادة وزعماء جلّهم مبتذلون وبعضهم دون مستوى الأهلية حتى لأن يكون حاجب ملك أو سلطان والبعض الآخر كان فعلا يشغل هذه الخطة قبل أن يستغل سبات الشعوب واستقالتها من ممارسة شأنها العام ويسطو على السلطة بقوة السلاح ويطوّع المجتمع ونسيجه الجمعياتي وكل مؤسسات الدولة لخدمة نظام حكمه والشعب شاهد زوره الأول والأخير بالتصفيق والطرب والأهازيج والمديح بالمعلقات والقصائد بل ووصل الخنوع بالشعب والغرور بالزعماء حد أن أصبحت الأوطان بكل مضامينها تتلخّص في شخوص الرؤساء وزالت حتى فكرة الدولة من اللاوعي الجمعي أو ارتبطت حصرا بشخص الرئيس ومع أحداث الربيع وزوال الرؤساء تيتّمت الشعوب وبقيت في ما هي فيه من فوضى غيّاب الأمن والإدارة وأنانية الأفراد والشر الكامن في نفوسهم واختلطت المفاهيم كلها وفي كل العقول واختلط حابل المناضلين بنابل المطبلين ومكر الانتهازيين ومشروعيات المساجين واشترك الجميع في الهواية وفي التطلع إلى لعب أدوار وشغل مناصب ليسوا جميعهم بالضرورة أهلا لها والكل في رؤوس شعوب يتيمة يتلمس بحافي الشفرات والسكاكين طريقه لتعلّم حرفة حلاقة مبتدعة جديدة اسمها السياسة.

زيني محمد الأمين عبّاس

02 أفريل 2012
إرسال تعليق