الخميس، 19 أبريل، 2012

الإسلامويون ومتاريس القانون

تروّج بعض المنابر الإعلامية وتوفّر تغطية واسعة وسخية لما يسعى إليه الإسلامويون في مصر والذين يمثلون أغلبية برلمانية مريحة بشقيهم الإخواني والسلفي وما بينهما من المتعاطفين والمنخدعين ورهائن مزايا عقود العمل الخيري والدعوي المبطن بالشعوذة والصلاح ومظاهر التقوى والورع من ارتجال قانوني لإقصاء كل منافسيهم الجادّين من رجالات الدولة والحكم السابقين ذوي الخبرات والكفاءات والمؤهلات المحققة والمجربة في جانب كبير منها لإدارة شؤون المصريين وطلب تحقيق مصالحهم في هذه المرحلة الحرجة التي تعقب أحداث الربيع العربي وما آلت إليه من تفكك لأجهزة الدولة المصرية السياسية والإدارية.

وبغض النظر عن ماضي كل المستهدفين بالإقصاء القانوني الإسلاموي وفق فهم الإسلامويين المبهم والمحدود لكل مقاصد ومضامين التشريع والقانون فإن هذه المناورة السخيفة باسم الثورة وحمايتها من فلول النظام السابق ومن الثورة المضادة ونحو ذلك تسجّل موضوعيا في نظري – وقد لا يشاركني الكثيرون فكرة موضوعية هذا الطرح - على هواية الإسلامويين عموما وانتهازيتهم وبداية تلمس إخوان مصر بشكل خاص لمخاطر تداعيات كل الإخفاقات المحققة والجلية لتجارب الشعوب الأخرى مع الإسلامويين في السلطة كتونس وليبيا كي لا نقول أفغانستان والصومال وإمكانية أن تكون مخيبات الأمل التي وقفت عليها شعوب تلك البلدان وتعبّر عن دلائلها صراحة في أكثر من مناسبة عامل تشكيك في أهلية إخوان مصر لتحقيق ما عجز عنه أمثالهم هناك ومحرّك جهودهم الرامية لأن يجعلوا القوانين متاريس تحمي تطلعاتهم المفضوحة للوصول لرئاسة مصر بإقصاء كل خصومهم  بعد أن كانوا في أكثر من مناسبة قد عبّروا عن عدم نيتهم الترشح لهذا المنصب كما تفضح كذلك وقوفهم ربما على حقيقة أن الغرب عموما وأمريكا بشكل خاص تفضل عدم المجازفة باستمرار تدحرج مصر بحساسية موقعها وإستراتيجيته في منزلقات طفوليات وسذاجة وهواية الفكر الإسلاموي حتى وإن كان ثمن ذلك إعادة قولبة النظام السابق بأحد شكليه السياسي المدني أو العسكري المخابراتي بعد أن فضّل محمد البرادعي استبعاد نفسه من سباق التنافس على كرسي رئاسة مصر.
مساعي الإقصاء القانوني هذه التي اتخذت أشكالا مختلفة مثل حل التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس بقرار قضائي أو حل الحزب الوطني في مصر بدل خيّار أن يكون حل كليهما شعبيا وبصناديق الاقتراع أقرب ما تكون في نظري إلى المكاسب المزدوجة لكل أولئك الذي أساؤوا استخدام السلطة وأوغلوا بالتعدي على المال العام، إذ مكسبهم الأول يكمن في تجنيبهم خزي أن يثأر منهم المجتمع ويظهر قزميتهم ومكسبهم الثاني يكمن في تحريرهم من مسؤولياتهم تجاه قواعدهم إن وجدت وإرث أحزابهم السيئ مما يتيح لهم التخفي والتسلل في الخارطة السياسية الجديدة خاصة وأن فطنة سياسيي ما بعد الربيع ليست بدرجة الحساسية التي تمنع ذلك.
ولعل أبرز مساوئ مثل هذه القرارات ما يلاحظ من ازدواجية التعامل بمزاجية السذاجة السياسية التي قوامها اعتبار كل المنضوين تحت رايات التيارات الإسلاموية بشكل خاص من المنتسبين لأحزاب الأنظمة البائدة كفاءات سياسية ومناضلين ونظيفي الأيدي وخارج دائرة أي تشكيك في ماضيهم... وكل الآخرين الذي هم في الواقع رفقاء دربهم وأسياد أمسهم القريب رموزا مطلقة للفساد وللدكتاتورية وأزلام للأنظمة ووجب التخلص منهم حتى وإن كان ذلك بالطرق الاعتباطية والمزاجية المخلة بواجب احترام الحقوق والحريات.
وضع بلدان الربيع العربي السياسي المنبثق عن عقود الدكتاتورية والتسلط والاستفراد بالسلطة وسوء استخدام المال العام يمكن التعامل معه في نظري بقاعدة ذهبية تقرّ وتتنزل منزلة المبدأ صالحة لكل المواقع الرسمية أو غير الرسمية في الأحزاب والجمعيات قوام هذه القاعدة "أنت أمام ماضيك بما كنت لا بما أنت" بمعنى أن كل فرد من أفراد المجتمع سواء أكان مسؤولا قديما أو سياسيا أو حتى مواطنا عاديا صاحب حق ثابت في أن يتطلّع للعب أي دور يرى في نفسه التأهيل للعبه في هذه المرحلة وفي حال أثيرت حوله أية تهمة إساءة استخدام موقعه السابق في التعدي على حريات وحقوق الناس أو على المال العام في زمن الأنظمة البائدة يواجه تلك التهم بصفة انتمائه السابق لا بصفة وضعه السياسي أو الإداري الحالي وإن تجاوزت التهم حد التجاذب السياسي بأن أصبحت معروضة للنظر أمام القضاء يتم تعليق صفته الحالية آليا حتى يثبت براءته ويستعيد بذلك مكانته أو تتم إدانته وينال جزاءه. ولا يستثنى من هذه القاعدة أي كان ومهما كان انتماؤه الحالي وبذلك يضع المجتمع حدا لمهازل الإدانة بمجرّد عناوين التهم أو بمجرّد شبهة الانتماء مهما كانت فظاعة الممارسات أو الجرائم التي ارتكبت في نظام كان جزءا منه لأن الشعوب بكل مكوناتها كانت بشكل أو بآخر تلعب أدوارا في تلك الأنظمة بما في ذلك التيارات والحركات الإسلاموية التي أقحمت الدين في حلبة الصراع السياسي مع الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة ورموزها وجعلت من مجرّد التديّن عنوانا إدانة مسبق تنتهك بموجبه الحرمات والأعراض وهي بذلك صاحبة مسؤولية كبيرة عن ما لحق بالمسلمين بفطرتهم – وهم جمهور أعرض من الإسلامويين بكثير – من مآسي ومعاناة هي اليوم تجني ثمارها مزايدة على الجميع وتسوّق نفسها بعناوينها صاحبة أهلية زائفة لا دلائل حقيقية عليها في ظل ما نراه من التكالب على المناصب والكراسي ومحاباة الأقربين باسم أنهم مناضلون ومضطهدون رغم أن الظلم والاضطهاد والجور كان يقع على الجميع.
زيني محمد الأمين عبّاس
19 أفريل 2012
إرسال تعليق