الخميس، 9 مايو، 2013

الإسلام السياسي: خطيئة أمة تتكرّر


وجب التحديد بداية – اتقاء فيض دونية إدراك البعض للمنهج البنيوي المتبع في الكتابة وفي الوعي – أن الحديث عن الإسلام السياسي ليس حديثا عن الإسلام  بصفته دينا سماويا يُجل ويُحترم ويُتّبع وإنما عن ظاهرة مستجدة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية لم يكن لها سابق حضور يذكر قبل منتصف القرن العشرين قوامها ادعاء بعض من يريدون ممارسة العمل السياسي من العرب ومن المسلمين أن ما يطرحونه من أفكار وبرامج سياسية مرجعها الدين الإسلامي الحنيف.
حق الادعاء بصلة الفكر السياسي بالدين الإسلامي بالمرجعية وبالتنظير حق مكفول بجميع القيم والمبادئ خاصة منها تلك التي تتصف بالسياسية وليس الادعاء في حد ذاته جديدا في تاريخ البشرية، إذ ادعى أقوام كثيرون صلة أفكارهم وبرامجهم السياسية بالأديان وجَرّبت الأمم "نبوغهم" والسذاجةَ في طرحهم وأطروحاتهم وولَّد ذلك ما ولّد فيها من ظواهر جفاء الدين والتمرّد على مجرد فكرة التدين.
ولا يمكن إنكار أن محصلة كل ذلك لم تكن سلبية في العموم إذ لولاه ما كان للحضارة البشرية وللعلم بصفة خاصة من أسباب النمو والازدهار وما بلغت الحياة المستوى الذي نعيشه وننتفع به اليوم على اختلاف أدياننا ومعتقداتنا والحضارات.
تمرّد العقل البشري الغربي في القرون الوسطى على نمطية الفكر والتفكير البشري وفق قراءات بعض المتدينين ورجال الكنيسة للمسألة الدينية هو موجب تَيْهِ نخبة أهل ذاك الزمان وتعويلها على ملكات خلقها الله لتتطور في العقول وهي موجب مسؤولية بني البشر أمام الله وسرّ التكليف وحتى ختام الرسالات السماوية وكلنا نعلم المراحل والنتائج من مغامرات وركوب البحر ببسيط الثقة في مجهول قاد إلى اكتشافات ومعارف جديدة وأدلة وإثباتات لمسائل نظرية كانت الكنيسة تعتبر مجرّد التفكير فيها كفرا يستوجب تطبيق الحدود.
المأخذ الذي نروم الإشارة إليه في ممارسة السياسة باسم الدين الإسلامي يكمن في الخلط بين الادعاء المشروع وبين المقاصد البينة إذ لا يكاد يشذ عن قاعدة الاعتقاد الجازم في الثبات المطلق لما يطرح من أفكار سياسية باسم الإسلام إلا من رحم ربّك وغالب الحال أن لا يكون من المتعصبين المُصرّين على ممارسة السياسة باسم الدين حصرا بدعوى شمولية الدين لكل جوانب الحياة رغم أن الشمولية في السياسة عيب العيوب. والنية المبيتة للالتفاف على طاعة الناس الفطرية للدين الإسلامي بغية تحقيق أغراض أو منافع سياسوية هي المأخذ الثاني الدّالُ على عيب الخداع في ممارسة العمل السياسي وهو عيب يكاد يكون منهج عمل الإسلامويين الوحيد والحصري في ممارستهم للسياسة. فبرامجهم – إن سلمنا بأنهم أصحاب برامج – لا تفتأ تُراوح بين تسويق خوفهم من الله في الخطاب إلا لِتُراوغَ بالتدليل ببعض المظاهر كاللحى أو آثار السجود في الجباه أو بأنماط ملابس وستائر تخرج عن المألوف في المحيط الاجتماعي والثقافي الذي ينتمون إليه أو بادعاء التقوى والورع والاستقامة حتى وإن دلت كل الممارسات على خلاف كل ذلك.
الإسلامويون في بلداننا وفي بداية العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين هذه بما هم وبما أثبتت تجارب ممارستهم لإدارة الشأن العام من دلائل الفشل والهواية ورطة حضارة تتكرر للمرة الثانية:
ورّطنا مُنظّرُون سبقوهم بسذاجة الإصرارهم على أن العروبة ملهمٌ حصريٌ للفكر السياسي وكان فينا من الانغلاق والتقوقع ما كان مع جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدّام حسين والقذافي وأجيالٌ ضاعت في ظلمة سلطانهم والتسلط بأن تربت تُزقُّ بخطاب الأفضلية والفضل وحبِّ الأنا وكراهية الآخر لحد أن ترسخ معتقد رمزية الخير المطلق والشر المطلق وهي اليوم أجيال وُقودٌ وأدواتٌ لكل ما يرتكب باسم العروبة وباسم الإسلام من فظاعات أقرب ما تكون لمنزلقات حضارية مخلة بقيم الإنسانية نفسها ووخيمة العواقب بموجبها تستباح الأرواح وتنتهك الأعراض لتافه الأسباب.
الإسلاموية في السياسة ليست ابتداعا كما قد يخيل للبعض ولا هي نبوغا تُرجى فوائده كما ليست من السبق في شيء كل ما في المسألة أن شرائح واسعة من الأجيال التي تربت مثلنا على ما سبقت الإشارة إليه من سيء تنظير المتشبهين بالسياسة من جبابرة الجنرالات والقادة والمتحكمين لعقود سرمدية متتالية في رقاب الناس دون وجه حق ولا أفضلية علم أو حتى تَعلّم، لا تجد القناعة في أن العروبة ملهم مقنع للفكر السياسي وترى أن الإسلام بما له من شرف الصلة بالتعالي من العروبة أولى بأن يكون مكانها دون أن يصل بها الوعي إلى أن العروبة والإسلام وجهان مختلفان لعملة واحدة هي الهوية ويشتركان في كونهما ركيزتيها. والهوية وثيقة الصلة بالخصوصية الضيقة والتقوقع والأنانية والنفور والكراهية من كل من لا يدخل قوقعتها وفي كل ذلك تفسير لما يستعصي على الفهم من مجريات التجاذب والبغضاء السياسية لحد التصفيات الجسدية لمجر الاختلاف في البرامج والفكر أو حتى في المعتقدات.
نحن عَربٌ ومُسلمون ولسنا إما عربا وإما مسلمين، عرب مسلمون تستحق مجتمعاتنا أن نقدر لأجلها الحياة لذات الحياة الدنيوية ونعمل على أن تكون مقومات تفويض القائمين على الشأن العام في بلداننا مقومات حياة جماعية، أهليةُ تبصّر المصالح والإقناع بصدق النوايا في طلبها هي معاييرها لا المزايدة بامتلاك الحظوة عند الله أو وبيع مصائر الغيب للناس عنده يوم القيامة.
وقعنا قهرا في خطيئة القومية العربية وأجبَرَنا الخوف والطمع أو السذاجة والخداع على تصديق وعود التقدم والتنمية والازدهار وبناء الأوطان وجنينا عودة الاستعمار من الباب الواسع بعد أن خرج من بلداننا من النوافذ فهل من الراشد أن نُكرِّرَ الوقوع في الخطيئة نفسها من جديد باسم الإسلام؟
أليس في خطاب التحريض والكراهية الرامي للتغطية على سوء الأداء في ممارسة الحكم إثر ما يصطلح على تسميته بالربيع العربي وقمعُ المخالفين في الرأي وتبرير استباحة حرمات الله فيهم بمبررات التكفير وتهديدهم بالويل والثبور ما ينذر بأن وقوع مجتمعاتنا في خطيئة ثانية تتمثل في الإسلام السياسي سيكون تكرارا لخطيئة أمة بأكملها بأن تُنفِقَ من الدهر الأمدَ في مجرّد المراوحة بين ارتكاز أول فشل على أحد مقومي هويتها (العروبة) بأن ترتكز على المقوم الثاني (الإسلام)؟؟؟؟

زيني محمد الأمين عبّاس
04 ماي 2013
إرسال تعليق