السبت، 22 يونيو، 2013

بعض ما يستحق أن نقف عنده من تناقض في حضارتنا العربية والإسلامية

بداية أود التنبيه إلى أن هدف هذا المقال وغيره من المقالات التي أتناول فيها بعض المسائل الحضارية والدينية أحيانا ليس إثارة النعرة ولا القدح ولا حتى التحامل وأن الحديث عن الحضارة العربية والإسلامية ليس حديثا عن الإسلام في جوهره  ولا عن العروبة وإنما المقاصد والأهداف بتبيان مكامن الخلل والتناقضات في صبغة البناء والنسق الحضاري والممارسات في صفة وطابع كل ذلك البشريان وأن الرغبة في التمحيص هي الأصل.

حضارتنا العربية والإسلامية من الاسم ذات رافدين أصليين متلازمين تلازم الوحدة العضوية : رافد العروبة ورافد الإسلام وبعض مكامن التناقض في الاستعاضة في خلفية الفكر والتفكير عن التلازم العضوي بالتأصيل للصراع وللتصادم بين هذين الرافدين وبين أصحاب نزعات التعصب لهذا الرافد أو ذاك من معاني التصادم على سبيل المثال لا الحصر :
-         فهم فترة ما قبل الإسلام المسماة اصطلاحا بـ"الجاهلية" على أنها نقيض الإسلام وما يتبع ذلك من تقابلية مضامين الذم والتمجيد لكل من الفترتين. وإن صح مفهوم التناقض في طبيعة التتابع الزمني بدلالة التأريخ الحسابي التراجعي للجاهلية في مقابل التأريخ الحسابي التصاعدي للفترة الإسلامية بأن كانت بداية الإسلام نهاية للجاهلية مع العلم أن الطابع الحسابي أو العدي لكل من الفترتين ليس محوريا لا عند العرب ولا في الإسلام فإن مضامين الإسلام ومقاصد تراثه التي هي في الأساس جوهر قيم الحضارة العربية والإسلامية لا يمكن أن تقف من الجاهلية موقف التصادم أو الصراع الذي نجده نحن العرب والمسلمون راسخا في فكرنا وتفكيرنا من هذه الحقبة منذ فجر الإسلام وحتى يوم الناس هذا.
دين الإسلام بدأ باستعمال أداة الحقبة الجاهلية الأولى لوضع أسس تجاوز بعض المضامين : اعتماد الذاكرة والنقل بالتواتر الشفوي بدل الكتابة والتدوين رغم أن أول آية في القرآن نزلت بالأمر بالقراءة على نبينا العربي الأمي.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما نقل عنه من مأثور القول "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق" يقر مضمونُ قوله بالتتمة بالتأسيس على ما سبق من قيم وليست التتمة بالهدم أو حتى بمجرد التجاوز وفي ذلك دلالة علم عالم (الله) بأن التراكم القيمي جوهر تطور الجنس البشري ومصدر كل مكتسباته ومعارفه.  
-         منها أيضا النزعة لاستلهام الفكر السياسي حصرا من أحد رافدي الحضارة والهوية في مسعى قصدي لتغييب الرافد الآخر أو إقصائه : حدث ذلك مع القومية العربية على اختلاف تياراتها وزعاماتها وحدث ويحدث مع تيارات الإسلام السياسي. كلٌ يريد أن يكون الفكر السياسي الذي يتطلع إلى أن يستفرد بحكم مجتمعاتنا به مستلهما من مقوم الهوية الذي يميل لتغليبه على المقوم الآخر.
والنتيجة الوحيدة التي جنتها مجتمعاتنا خاصة وحضارتنا بصفة عامة من هذه النزعة هي تأصل فكر الانغلاق والتعصب ونزعة النفور من الآخر وكراهيته بل وحتى في بعض الحالات تصفيته الجسدية.
والمفارقة في كل ذلك ومكمن التناقض في أن يكون بأداة السياسة التي يفرض عقلا ومنطقا أن تقوم على النسبية التي تؤسس للاختلاف المشروع في الرأي وتبرر الحصانة من الفشل الذي يحتمل أن يكون محصلة أي أداء لممارسة السلطة والحكم.
ولعل استحضار إخفاقات كل الزعماء القوميين العرب المحدثين الذين انتهت كل دكتاتورياتهم بتسليم الشعوب للمستعمر لقمة سائغة أو إعدادها لقابلية الاستعمار يفيد في استشراف ما ستناله تلك الشعوب نفسها من هواة السياسة ومحترفي المتاجرة بالدين الذين يُجمعون على قراءة التفويض الشعبي تمكينا في الأرض وجزاء لصبر على ما كانوا يقعون ضحيته من استبداد مرد جزء كبير منه طبيعة الكراهية المتبادلة بينهم وبين مخالفيهم في الرأي السياسي من القائمين على الأنظمة الدكتاتورية.
من يصر على أن مقومات هويته هي ملهم فكره السياسي يتقوقع على نفسه لأن الهوية الفردية أو الجماعية هي عنوان الخصوصية والأنانية ويرفض أي شكل من أشكال الاختلاف وهذا هو واقعنا نحن العرب والمسلمون في القرن الواحد والعشرين : كأن الله ما خلقنا إلا لنكون أعداء لغيرنا أو حتى أعداء لبعضنا البعض والعداء لا يترجم بغير العمل على الإقصاء المطلق وهذا في حد ذاته تجل لتناقض صارخ مع قيم التسامح التي تقوم عليها رسالة الإسلام ومع الاختلاف الذي هو سنة الله في خلقه.

زيني محمد الأمين عبّاس
22 جوان 2013



إرسال تعليق